أسماء لمرابط وكرسي المرأة والمجتمع.. من أكاديمية المملكة يبدأ النقاش

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

في لقاء فكري وأكاديمي احتضنه مقر أكاديمية المملكة المغربية يوم 29 شتنبر الماضي، أُعلن رسمياً عن إطلاق “كرسي المرأة والمجتمع”، بإشراف الباحثة والمفكرة أسماء لمرابط، ورئاسة أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، السيد عبد الجليل الحجمري. وبحضور ومشاركة عدد كبير من الشخصيات الأكاديمية والعلمية والباحثين والمهتمين بقضايا الفكر والمرأة والمجتمع.

وشكل اللقاء، الذي توزع على جلستين، صباحية أدارها الأستاذ نور الدين أفاية، عضو أكاديمية المملكة، ومسائية أدارتها الدكتورة أميمة عاشور، مناسبة لتقديم عدد من المحاضرات والمداخلات التي قاربت قضايا المرأة من زوايا فكرية وعلمية وثقافية متعددة. ولم يكن الإعلان عن الكرسي مجرد إطلاق مبادرة أكاديمية جديدة، بقدر ما كان مناسبة لفتح نقاش أوسع حول: دراسة تمثلات المرأة في الثقافة والفكر، وتحليل الأدوار الاجتماعية التي أسندت إليها تاريخيا، ومناقشة التحولات التي طرأت على هذه الأدوار، فضلا عن بحث العلاقة بين المرجعيات الدينية والاجتماعية والثقافية، والقيم المرتبطة بالمساواة والكرامة والعدالة“.

وبالمناسبة، وُزّع على الحضور كتيب يتضمن أهداف الكرسي وفلسفته ورؤيته، ودور لجانه، إلى جانب أقطابه وأسماء المسؤولات عن كل قطب.

ويضم الكرسي ستة أقطاب هي: القطب القانوني، وقطب المنظور الديني، وقطب العلوم الاجتماعية، والقطب الجيوسياسي، وقطب الشباب والإعلام والمجتمع، وقطب المرأة والروحانيات والتحول الاجتماعي.

وينبني كرسي “المرأة والمجتمع” على فلسفة إنسانية شاملة. فهو ينظر إلى حقوق النساء لا باعتبارها موضوعًا منفصلا أو هامشيًا، وإنما باعتبارها قضية شاملة ترتبط ارتباطاً وثيقًا بجودة العيش المشترك والسلم الاجتماعي، والتنمية المستدامة.

ويطمح الكرسي إلى أن يشكل فضاء للتفكير المنفتح والطموح، قائما على الصرامة العلمية والابتكار الفكري. وجعله

مجالا للحوار بين الباحثين والطلبة والمؤسسات والفاعلين العموميين. ومختبرا للأفكار والابتكارات العلمية الملموسة والمبتكرة، قادرا على اقتراح مسارات للتفكير والعمل تتلاءم مع الواقع المغربي. وجسرا بين المعرفة الأكاديمية والمجتمع، بما يتيح نشر المعارف على نطاق واسع، ولا سيما في أوساط الشباب المغربي.

كما تكمن أصالة هذا الكرسي في تجذره العميق في السياق المغربي، وفي المرجعية الدستورية، وفي المرجعية الإنسانية والمستنيرة للإسلام، مع انخراطه في الوقت نفسه ضمن دينامية من الانفتاح الدولي.

وتتمثل رؤية الكرسي في مغرب تتجسد فيه المساواة بين النساء الرجال باعتبارها بناء جماعيًا يحترم القيم الثقافية، والمسارات التاريخية للمملكة، والقيم الكونية.

فالحديث عن المرأة اليوم لم يعد يقتصر على قضايا التمثيلية والمشاركة السياسية أو الولوج إلى التعليم والعمل، رغم أهميتها، بل أصبح مرتبطاً بأسئلة أوسع: كيف نعيد التفكير في العلاقة بين الجنسين؟ كيف يمكن تجاوز الصور النمطية التي كرستها الثقافة والممارسة الاجتماعية؟ وما حدود تأثير التحولات القانونية والمؤسساتية في تغيير العقليات؟

ومن هنا تأتي أهمية الفضاء الأكاديمي الذي يوفره هذا الكرسي، باعتباره مجالاً للحوار بين الباحثين والمفكرين والفاعلين في قضايا المرأة والمجتمع، ولفتح النقاش حول العلاقة بين المعرفة والتحول الاجتماعي.

كما يطرح الكرسي سؤالاً أساسياً يتعلق بدور الفكر في مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب. فالتغيير لا تصنعه القوانين وحدها، ولا يمكن أن يتحقق بمجرد رفع الشعارات؛ إذ يحتاج أيضاً إلى مراجعة عميقة للتمثلات الثقافية والاجتماعية التي تحدد موقع المرأة والرجل داخل المجتمع.

وتبرز في هذا السياق أهمية تجربة أسماء لمرابط، التي جعلت من إعادة قراءة التراث والنصوص الدينية مدخلاً للنقاش حول المساواة والكرامة الإنسانية، مؤكدة أن الدفاع عن حقوق النساء يمكن أن يكون أيضاً جزءاً من اجتهاد فكري ينطلق من داخل الثقافة الإسلامية، وليس بالضرورة في مواجهة معها.

ولعل القيمة المضافة لهذا اللقاء تكمن في كونه يضع المرأة في قلب التفكير في المجتمع المغربي ومستقبله، بعيداً عن المقاربة الاختزالية التي تجعلها مجرد موضوع للدراسة أو الاحتفال.

لا بد في الأخير، من التوقف عند الحضور الذي أضافته عضوية أسماء لمرابط إلى أكاديمية المملكة المغربية، منذ تنصيبها رسميا كعضوة مقيمة بالأكاديمية في 10 ماي 2024، حيث بدا هذا الانفتاح الفكري والعلمي أكثر وضوحاً من خلال عدد من المبادرات واللقاءات التي جعلت من الأكاديمية فضاءً للحوار وتلاقح الأفكار، وطنياً ودولياً.

أكيد، أن الأمر هنا لا يتعلق بإسناد هذا التحول إلى شخص واحد، فالأكاديمية مؤسسة عريقة لها تاريخها وأدوارها ومشاريعها، وإنما بالإشارة إلى مساهمة حضور أسماء لمرابط، بما تحمله من تجربة فكرية وأكاديمية واهتمام خاص بقضايا المرأة والدين والمجتمع، في توسيع دائرة النقاش حول موضوعات تتقاطع فيها المعرفة مع أسئلة المجتمع والتحولات الإنسانية المعاصرة.

وقد تجلى ذلك من خلال تنظيم واستضافة عدد من اللقاءات والندوات والمحاضرات ذات الطابع الفكري والعلمي، التي جمعت باحثين ومفكرين وأكاديميين من المغرب ومن بلدان أخرى، وفتحت نقاشاً حول قضايا تتجاوز الحدود المحلية، من بينها المرأة والمجتمع، والتجديد الفكري، والدين، والثقافة، والعلوم الإنسانية، والحوار بين الحضارات.

ومن المفيد، أن نستحضر هنا، بعضاً من أبرز الأنشطة التي احتضنتها الأكاديمية خلال  المرحلة الأخيرة، باعتبارها شواهد ملموسة على هذا الإشعاع الفكري والعلمي، وعلى الدور الذي يمكن لمؤسسة أكاديمية وطنية من هذا الحجم أن تضطلع به في إنتاج المعرفة، وربط المغرب بالنقاشات الفكرية والعلمية الدولية.

فقد احتضنت الأكاديمية برنامجاً متنوعاً من اللقاءات والندوات الدولية؛ من بينها ندوة «أصداء الأندلس.. رؤى معاصرة» في دجنبر 2024، وندوة «الثقافة والتراث بين الخصوصية والكونية» في يناير 2025، وندوة «المنفى ليس مملكتنا: تأملات في أدب المهجر» في أبريل 2025، إضافة إلى الدورة الخمسين للأكاديمية حول «التسارع الكبير للتاريخ» في أبريل 2025، وندوة دولية حول الأخلاقيات في الصحة والبيوأخلاقيات في نونبر من السنة نفسها.

ونسجل هنا، تحوّلاً مهما في دينامية أكاديمية المملكة، وتعزز بانفتاح أكبر على قضايا المرأة. واستمر هذا الحضور الدولي في 2026، ومن أبرز محطاته المؤتمر الدولي الأول للتصوف النسوي الذي نظمته الأكاديمية بشراكة مع منظمة “وليات” يومي 10 و11 يونيو، بمشاركة نحو عشرين جنسية وحوالي أربعين شخصية وباحثاً وفاعلاً من مجالات مختلفة. وقدمت أسماء لمرابط المحاضرة الافتتاحية للمؤتمر حول حضور المرأة في التراث الروحي والتصوف.

ويبقى الأهم اليوم، هو كرسي المرأة والمجتمع الذي يمكن أن يشكل، بهذا المعنى، منصة لإنتاج المعرفة، وتوثيق التحولات، وطرح الأسئلة التي لا تجد دائماً مجالاً كافياً للنقاش العمومي؛ أسئلة تتعلق بالأسرة، والتعليم، والدين، والقانون، والسياسة، والثقافة، وصورة المرأة في المجتمع.

 

 

 

↑
Exit mobile version