حديث بسمة/ عزيزة حلاق
صور: رضوان الورديغي
كان لقاء مؤسسة الربوة للثقافة والفكر، أمس السبت، مع المفكر والأديب المغربي عبد الإله بلقزيز، عبورًا بين أكثر من ضفة؛ ضفة الفكر والفلسفة، وضفة الأدب والسرد، وضفة ثالثة أكثر اتساعًا، هي الذاكرة بما تختزنه من أسئلة الإنسان والزمن والتحولات التي تصيب المجتمعات والقيم واللغة.
ضيف الربوة اختار، على امتداد تجربته الفكرية والأدبية، أن يجعل من الكتابة مساحة للتأمل، لا في الأفكار وحدها، بل في الإنسان وهو يتغير، وفي الأمكنة وهي تفقد بعض ملامحها، وفي الأزمنة وهي تمضي تاركة خلفها أشياء كثيرة لا ننتبه إلى فقدانها إلا بعد فوات الأوان.
راكم عبد الإله بلقزيز تجربة فكرية وأدبية غنية، كتب في الفلسفة والفكر العربي والسياسي، وفتح في أعماله السردية نافذة أخرى على الواقع؛ واقع لا يكتفي بوصفه، وإنما يحاول النفاذ إلى طبقاته الخفية، إلى ما تقوله التفاصيل الصغيرة عن تحولات المجتمع، وما تقوله الشخصيات عن زمنها وعن نفسها.
لقاء الربوة كان حول عملين ينتميان إلى تجربته السردية، لكن كلاً منهما يفتح، بطريقته الخاصة، على أسئلة الزمن والإنسان والذاكرة.
« سراديب النهايات»، الذي قدمت قراءة له الأستاذة فاطمة الحسيني، رواية صدرت طبعتها الأولى سنة 2014، وتستعيد عبر حكايات وشخصيات ومسارات متقاطعة تحولات اجتماعية وقيمية عرفها المغرب منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ من تغير أوضاع العالم القروي، إلى صعود ظواهر اجتماعية وفكرية جديدة، وما أحدثته تلك التحولات من تصدعات داخل الأسرة والمجتمع.
أما «الماضون إلى الماضي»، الذي قدمت قراءته الأستاذة زهرة رشاد، فهي سردية مختلفة في بنائها ولغتها، تستدعي الماضي لا باعتباره زمنًا انقضى، وإنما باعتباره ذاكرة لا تزال حية، تستعيدها اللغة وتعيد تشكيلها. ومن خلالها تعود مفردات وحرف تقليدية وأشكال من الحياة تكاد تغيب عن حاضرنا، وكأنها تحاول أن تنقذ من النسيان شيئًا من عالم كان ذات يوم جزءًا من حياتنا اليومية.
وتوقفت القراءة خصوصًا عند عناية العمل بالمصطلح العربي القديم، وإعادة إدخاله في نسيج السرد الحديث، بما يجعل اللغة نفسها جسرًا بين زمنين.
وبين «سراديب النهايات» و«الماضون إلى الماضي»، بدا أننا أمام سؤالين متجاورين، وربما أمام سؤال واحد يتخذ شكلين:
ماذا يحدث للإنسان حين تتغير الأمكنة والقيم والعلاقات؟
وماذا يبقى من الماضي حين يصبح الحاضر سريعًا إلى درجة تكاد تمحو الذاكرة؟
اللقاء أدارته بحرفية لافتة وإيقاع هادئ الأستاذة المبدعة عائشة لمراني العلوي، التي أحسنت وصل خيوط الحوار، وفتح مساحاته أمام ضيف اللقاء والحضور، بما أضفى على الأمسية انسجامًا خاصًا بين الفكر والسرد، وبين السؤال والإجابة.
فبعد القراءتين القيمتين للأستاذتين فاطمة الحسيني وزهرة رشاد، فتح عبد الإله بلقزيز حوارًا مع الحضور حول الرواية والسرد، والذاكرة والزمن، وتحولات المجتمع، وعلاقة المفكر بالأدب والفلسفة وحضور اللغة التراثية في الكتابة المعاصرة، وعن تجربته في الانتقال من سؤال الفكر إلى فضاء الحكاية.
كان في حديث أستاذنا بلقزيز شيء يتجاوز الإجابة عن الأسئلة.
كان يتحدث بنبرة يغلب عليها الحنين، لكن ليس حنينًا رومانسيًا إلى ماضٍ مثالي، بل حنينًا مثقلًا بالأسئلة، أقرب إلى مساءلة هادئة للمسافة التي تفصل الأمس عن اليوم. كأنه كان يستعيد الماضي لا ليقول لنا إنه كان أجمل، وإنما ليسأل: ماذا فقدنا ونحن نعبر من زمن إلى آخر؟ وماذا تغير في الإنسان، في القيم، في العلاقات، وفي معنى أن ينتمي المرء إلى مكان وذاكرة؟
وفي ثنايا حديثه، كان الماضي حاضرًا بقوة، لا بوصفه صورة معلقة على جدار، بل بوصفه شيئًا يتحرك فينا، يسكن اللغة والذاكرة والتفاصيل الصغيرة، ويظهر كلما حاول الحاضر أن يطوي صفحته بسرعة.
من الفكر إلى السرد، ومن الفلسفة إلى الحكاية، بدا عبد الإله بلقزيز وكأنه يعود إلى السؤال نفسه بأدوات مختلفة: سؤال الإنسان في الزمن، وما يفعله الزمن بالإنسان.
وفي لحظة من حديثه، قال:
“في المغرب، لم تعد لنا حياة سياسية..أو الأصح: لن تعود لنا حياة سياسية كما عهدناها منذ نحو ثلاثين عامًا.
بدا أن الجملة تتجاوز معناها المباشر، لتفتح بابًا واسعًا على أسئلة الحاضر، وعلى ما آلت إليه السياسة والمجتمع والثقافة، وعلى المسافة التي باتت تفصل الإنسان عن أسئلة الشأن العام.
في تفاعله مع أسئلة الحضور، توقف الأستاذ عبد الإله بلقزيز عند عدد من القضايا التي تضيء تجربته السردية؛ من مآلات السرد اليوم وهو يتحدث عن «سراديب النهايات»، إلى أربعين يومًا من العزلة اختار فيها أن يتفرغ للكتابة، مستعيدًا جماليات اللسان العربي، ومحكيًا بعضًا من أسرار ولادة «الماضون إلى الماضي».
عن مآلات السرد اليوم
قال بلقزيز: “لا أريد أن أكون مسكونًا بشعور اليأس، لكي أقول: ليت عقدنا هذا كان شبيهًا بعقد الثمانينيات. فالثمانينيات، على الرغم من كل سوءاتها، كانت نابضة بالحياة سياسيًا وحقوقيًا واجتماعيًا. وأين منها اليوم؟
ومع ذلك، المستحب أن يقال إن السردية لم تعثر على نهايتها بعد. فالسردية ممتدة، سراديب تنجب سراديب، والسرداب الذي أنجب ينجب سردابًا آخر، وهكذا.
وكما اعتدنا أن نقول في السياسة: كلما اعتقدنا أننا وصلنا إلى القاع، اكتشفنا أن هناك قاعًا للقاع، وقيعانًا من القيعان. وهذا المسلسل من الانحدار المروع الذي يقطعه مجتمعنا، ومجتمعاتنا العربية عمومًا، لا يترك أمامنا مجالًا كبيرًا للمكابرة والقول إن ما نعيشه مجرد مرحلة انتقالية، أو طريق يمكن أن نغالبه ونتخطاه، خصوصًا في ضوء ما نشهده اليوم.
في المغرب، لن تعود لنا حياة سياسية بالمعنى الذي عرفناه. منذ نحو ثلاثين عامًا، أصبحت السياسة تُمارس في خمسة عشر يومًا فقط، مرة كل خمس سنوات. أما اليوم فلا تكاد توجد أصلًا.
والمخافة الأعظم بالنسبة إليّ هي أن نصل غدًا إلى مرحلة لا تكون فيها حتى حياة ثقافية في المجتمع.
أنا لا أريد أن أكون سوداويًا أو يائسًا، لكنني أحب الواقع كما هو، وأحاول أن أراه كما هو. وهذه هي مآلات السردية.
أما «الماضون إلى الماضي»، فالماضي مضى، لكن مضيه لا يعني دائمًا أنه ذهب وانتهى وانقضى. الماضون مضوا، ولكن إلى أين مضوا؟ ليسوا إلى الغرب، بل إلى الماضي.
أتحدث هنا عن حالة زوال، عن حياة كانت موجودة ثم بدأت تختفي. وهذا، في تقديري، هو معنى «الماضون إلى الماضي». تلك الحياة التي أتحدث عنها في الكتاب، والتي حاولت أن أستعيد بعض ملامحها قبل أن تبتلعها سرعة الحاضر.
ولست أتصور نصًا يقاطع التاريخ. حتى النص الأسطوري نفسه يحتوي قدرًا من التاريخ، يمكن العثور عليه بشيء من التنقيب والبحث، فما بالك بالنص الأدبي أو النص الفني؟
إذا أخذنا التاريخ بمعناه العام، فالنص الأدبي هو أيضًا نص تاريخي. وتاريخ اللغة جزء من هذا التاريخ. حين أقرأ اليوم نصًا لجرجي زيدان، أعرف أن اللغة المستعملة في رواياته عن تاريخ الإسلام هي لغة النهضويين في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وحين أقرأ نجيب محفوظ، أعرف أنني أمام لغة تنتمي إلى حقبة من خروج العربية من لغتها الأدبية القديمة إلى أشكالها الحديثة.
ولغتنا اليوم، وقد فاتني أن أشير إلى هذا، تعيش جفوة فظيعة مع لغة القدامى. طبعًا، للتعليم دور كبير، وللأسرة دور كبير، ولكن المشكلة أعمق من ذلك: إذا لم يتعلم المرء قراءة النص، فلن يستطيع أن يتعامل معه.
وهذا ليس خاصًا بالثقافة العربية. في مختلف الثقافات، هناك مسافة متزايدة بين الأجيال وبين نصوصها القديمة. لكن عندنا، يبدو أن القطيعة أكبر وأعمق.
اللغة التي نتداولها اليوم، والتي نقرأها في الكتب والمجلات والصحف، أصبحت مزيجًا وفسيفساء مركبة من الترجمة، ولغة الصحافة، ولغة الاستعمال اليومي، وهي في جانب منها أقرب إلى فصحى محكية.
وهذا ما تشعرون به حين تعودون إلى نص كتبه طه حسين أو أحمد أمين؛ تشعرون أنكم أمام نص غير عادي، بينما هو في الحقيقة النص العادي. غير العادي هو النص الذي نكتبه اليوم.
ما الفعل في هذا؟ الفاعل هو أنني وأنا أقارب النص الأدبي أو النص اللغوي، أقاربه بملَكة لغوية شديدة الفقر. ولغة بهذه المحدودية لا تستطيع أن تتلقى نصًا مكتمل الأركان، مكتوبًا بالفصحى الحقيقية والأدبية.
وهذا لا يتعلق فقط بطه حسين. اسألوا أنفسكم: كم واحدًا منا يستطيع أن يقرأ نصًا شعريًا صعبًا، وأن يمتلك المَلَكة اللغوية التي تمكنه من مقاربته؟
إذن، لغتنا أيضًا لها تاريخ. وغدًا، حين سيؤرخ لهذه اللغة التي نتداولها منذ مطالع القرن العشرين إلى اليوم، سيقال إنها تولدت من اجتماع مجموعة من المكونات: الترجمة، والصحافة، واللغة المحكية، وبعض اللسان العربي القديم، وغيرها.
وقد قرأت مرة عن إحصاء للمفردات المتداولة في المكتوب اليوم في العالم العربي، وكانت النتيجة أن هذه المفردات لا تتجاوز نحو 3500 مفردة، من أصل ثروة لغوية هائلة تُقدّر بمئات الآلاف من المفردات.
3500 مفردة فقط! هذه هي اللغة التي أصبحت متداولة على نحو واسع اليوم.
ومع ذلك، ينازعوننا حتى حق هذه البقية الباقية، بدعوى أن اللغة العربية لم تعد قادرة أو صالحة. ومن يتعلم اللغة العربية، ويعرف تاريخها، يعرف أن الأمر ليس كذلك.
اللغات الأوروبية نفسها مزدحمة بالمفردات العربية في مجالات العلم والمعرفة.
أتذكر أنني، حين اشتغلت سنة 1982 في معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، كُلفت بعملية جرد للمصطلحات العلمية والتقنية الموجودة في «تاج العروس» للزبيدي.
حين قيل لي ذلك، استهجنت الأمر: كيف يمكن أن يكون «تاج العروس» معجمًا للمصطلحات العلمية والتقنية؟ لكنني بدأت العمل، وإذا بي أجد مصطلحات في الطب، والكيمياء، والفلاحة، والنبات، والجغرافيا، وغيرها.
استغرقت عملية الجرد عامًا ونصف العام، وكانت بالنسبة إليّ تجربة كاشفة. ذهلت من ذلك الكم الهائل من المفردات والمصطلحات العلمية الموجودة في الثقافة العربية وفي اللسان العربي. ومن يعرف اليوم كل هذا التراث العلمي؟
أنا شخصيًا، رغم أنني درست الفلسفة في الجامعة وغيرها، لم أكن أعرف أن لدينا كل هذا التراث العلمي.
لذلك، حين يقول لك أحدهم اليوم: اللغة العربية لا تستطيع… أسأل: كيف لا تستطيع؟
نحن، مع الأسف، من الأمم القليلة التي ما تزال تعيش نوعًا من الاستتباع للغالب، ولا نستطيع أن نبني علاقتنا بالمعرفة بلغتنا كما فعلت أمم كثيرة.
الصينيون، والكوريون، واليابانيون، والروس، وغيرهم، بنوا جانبًا كبيرًا من نهضتهم بلسانهم القومي. أما نحن فما زلنا، في كثير من الأحيان، نصر على أن نظل تابعين للغالب، في كل شيء، بما في ذلك لساننا.
وقد قال ابن خلدون: «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب».
نحن نطبق هذه القاعدة على أنفسنا؛ مصرّون على أن نظل مستعدين وتابعين في كل شيء، حتى في لغتنا.
وهذا، في جميع الأحوال، جزء من واقعنا الذي ينبغي أن ننظر إليه كما هو، وأن يكون موضع مساءلة، لأنه يكشف الكثير مما نحن فيه، والكثير أيضًا مما قد نؤول إليه..
وعن ظروف كتابة “الماضون إلى الماضي” يقول:
“كتبت «الماضون إلى الماضي» في أربعين يومًا. أغلقت على نفسي، وتفرغت للكتابة تمامًا. لا هاتف، لا تلفزيون، ولا شيء يمكن أن يقطع هذه العزلة. كانت عزلة كاملة، لكنها كانت قرارًا واعيًا، لأنني كنت أعرف أن هذا النص لا يمكن أن يُكتب إلا إذا عشته كما لو أنني أعيش في زمنه.
كنت أتعامل معه وكأنني أعيش في القرن الثالث للهجرة، وكتبته بلغة الجاحظ وأبي حيان التوحيدي. وقد قصدت ذلك عن وعي، لأنني أردت أن أرفع التحدي، وأن أستعيد شيئًا من جماليات اللسان العربي وجماليات الكتابة الأدبية كما عرفناها عند القدامى.
هذا النص كان يعيش في داخلي منذ فترة طويلة. كنت دائمًا أحلم بأن أكتب نصًا من هذا الجنس الأدبي، يعيد الاعتبار إلى اللغة العربية، وإلى ما كانت تختزنه من جمال وثراء وقدرة على التعبير.
وكان هذا الحلم مقترنًا بعلاقة عميقة مع نصوص الأقدمين؛ عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع، والجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، وابن قتيبة، والحريري، ثم الصوفية، خصوصًا النفري ومحيي الدين بن عربي. لكن، أكثر من غيرهم، ستجدون في هذا النص بصمات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي.
كان حلمي دائمًا أن أكتب نصًا من هذا القبيل، لكنني وجدت له، في النهاية، ما يشبه «أسباب النزول»، كما يقول علماء القرآن. وكانت «أسباب النزول» بالنسبة إليّ هي تلك الحملة البذيئة والمنحطة على اللغة العربية، وذلك الدفاع السافل عن العامية باعتبارها بديلًا من اللسان الفصيح.
عندها قلت: آن الأوان لأن أُخرج هذا الهوس الذي تلبسني طويلًا من القوة إلى الفعل، وأن أحوله إلى كتابة حقيقية، وإلى نص أضع فيه ما داخلي من حب للغة العربية ولتراثها الأدبي.
وحين تفرغت لهذا النص، كنت أعرف أنني لا أكتب لمجرد استعادة لغة قديمة، وإنما لأن وراء الكتابة حاجتين ظلتا حاضرتين في نفسي.
الحاجة الأولى هي إنصاف أهل الحرف التقليدية، أولئك الذين ارتبطت حياتهم بحرف ومهن بدأت تندثر، وبعضها زال بالفعل، وبعضها الآخر يقف اليوم على وشك الانقراض.
أردت أن أمنحهم حضورًا في الكتابة، وأن أستعيد شيئًا من عوالمهم، ومن تفاصيل حياة كانت جزءًا من ذاكرتنا، ثم بدأت تختفي بصمت”.
