بين صرخة امرأة ويُتم طفلين… فاجعة آسفي تُدين الإهمال

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

بعض الفواجع لا تبدأ لحظة وقوعها، بل لحظة انتشار صورها. حينها، لا نعود أمام أرقام أو بلاغات رسمية، بل أمام وجوه، أصوات، وأجساد تُصارع قدرًا كان يمكن تفاديه. هكذا دخلت هذه الفاجعة بيوت المغاربة بصور صادمة، وقفت عند اثنين. صورة امرأة سبعينية عالقة عند مدخل باب شعبة، تتشبث بحائط كي لا تبتلعها السيول، وصورة طفلين نجَوَا من الغرق بينما غاب والداهما إلى الأبد.

بين الصورتين تُختصر الحكاية كلها.

صرخة امرأة تطلب النجدة من الموت، تقاوم لتبقى على قيد الحياة، وطفلان في أول العمر بعيون شاردة لا يستوعبان ما جرى ويجري لهما. لا شيء يربط ظاهريًا بين الصورتين سوى الماء الجارف، لكن ما يجمعهما أعمق: الإهمال حين يتحوّل إلى قدر، كما وُصف رسميًا.

هذه ليست مجرد فاجعة طبيعية، بل سلسلة تداعيات إنسانية؛ قصص ستُحكى طويلًا عن نجاة مؤقتة، وعن فقدٍ دائم، وعن أسئلة ثقيلة تُركت بلا إجابة. ومع ذلك، تتوقف الكتابة قسرًا عند هاتين الصورتين، لأنهما تقولان كل شيء.

الصورة الأولى:

مشهد صادم لا يُمحى بسهولة من الذاكرة.

مشهد هزّ قلوب المغاربة جميعًا، نُقل بالصوت والصورة: امرأة سبعينية تصرخ، تحتمي بما تبقّى لها من قوة، تشدّ بيديها إلى الحائط، جسدها مهدد بالانجراف مع السيول، ولا يظهر منها سوى رأسها، وهي تستغيث:

“واعتقوني… أنقذوني”.

يتدخل شباب الحي قبل رجال الوقاية المدنية، ويساعدون على إنقاذها وهي تصارع الموت وتقاوم في اتجاه ضد التيار، في مشهد تابعناه وقلوبنا معلّقة بين الرجاء والخوف، وكأننا أمام فيلم قاسٍ بلا مؤثرات، سوى الحقيقة العارية.

مشهد يطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف لا يرتجف ضمير المسؤولين؟

كيف يمكن لمن يفترض أنهم حماة أرواح المواطنين أن يواصلوا الصمت، أو يكتفوا ببلاغات باردة وتبريرات جاهزة عن “القضاء والقدر”، وكأن الطبيعة وحدها هي الجاني؟

الصورة الثانية:

كيف يمكن أن ننسى هذه الصورة، وما وراءها؟

صورة طفلين شقيقين، انتشرت على مواقع التواصل لا بحثًا عن شهرة، بل بحثًا عن ذاكرة ضائعة: عن اسم، عن مكان، عن أمٍّ وأب جرفتهما السيول داخل المدينة القديمة. كانا يرددان أنهما من “العروبية”، وكأن الكلمة لم تعد توصيفًا جغرافيًا، بل قدرًا اجتماعيًا كاملًا.

بعد ساعات فقط، جاء الخبر القاسي: الوالدان والرضيعة من بين الضحايا. نجا الطفلان ليحملا وحدهما عبء الحكاية كاملة.

يحكيان أنهما قدما رفقة والديهما وأختهما الرضيعة من الدوار إلى مدينة آسفي، لقضاء آخر يوم من العطلة المدرسية، واقتناء بعض الحاجيات قبل العودة إلى مقاعد الدراسة. صباح بسيط، عادي، لا يحمل أي نذر بالفقد. لكن ما لا يُرى في تفاصيل اليوميات كان يتربص بالجميع.

في لحظة خاطفة، تحوّل سوق المدينة القديمة، إلى مصيدة، وتحولت مياه الوادي إلى قوة عمياء لا تفرّق بين طفل ورضيع، ولا بين أم وأب. حمل السيل كل شيء، وترك خلفه سؤالًا ثقيلًا عن المعنى، والمسؤولية، والذنب. وحدهما طفلان نجيا من قلب الفوضى، احتميا بمدخل عمارة، وفتحت لهما امرأة باب بيتها، قبل أن تفتح لهما المدينة أبواب التعاطف والصدمة.

كيف يمكن لصورة بهذا العنف الإنساني أن تمرّ كخبر عابر، أو تُطوى في أرشيف الذاكرة الجماعية كأن شيئًا لم يكن؟

هذه المرأة ليست استثناءً، بل صورة مكثّفة لوضع هشّ، لسياسات تُدار من خلف المكاتب، لتخطيط غائب، ولمحاسبة مؤجلة إلى أجل غير مسمّى.

حين تصرخ امرأة في السبعين في وجه الماء والموت والكاميرا، فالمشكلة لم تعد سيولًا فقط، بل منظومة كاملة تحتاج إلى إنقاذ.

وحين تعجز السياسات عن حماية الأضعف، تتحوّل الصورة إلى شهادة، وتغدو الفاجعة مرآة لضميرٍ جماعي مأزوم.

آسفي، المدينة الجريحة، ودعت اليوم 37 روحًا بريئة ابتلعتها السيول، لا لأن الطبيعة ثارت وحدها، بل لأن الإهمال طال أمده، وسوء التدبير صار سياسة صامتة و ظالمة.

 

Exit mobile version