حديث بسمة/ عزيزة حلاق
منذ أن عاد “هانتا فيروس” إلى الواجهة، عاد معه ذلك الشعور الثقيل الذي ظنّ العالم أنه دفنه مع آخر كمامة ألقيت في سلة المهملات.
مجرد سماع عبارة “فيروس جديد” صار كافيًا ليجعل البعض يبحث غريزيًا عن المعقم، والبعض الآخر يفتح أرشيف نظريات المؤامرة، بينما تعود وصفات الزنجبيل والقرنفل إلى الواجهة باعتبارها “خط الدفاع الأول” الذي اكتشفته مجموعات الواتساب.
وفجأة، تحول الطبيب المصري العوضي صاحب نظرية “الطيبات” إلى نجم بعد رحيله، هو الذي لا يعترف بالأدوية، وانتشرت شهادات لمريديه، كخبراء في المناعة، يوزعون النصائح بثقة علماء الفيروسات. ويحدرون من الأدوية ومن اللقاحات.
لكن، هل نحن فعلًا أمام “كورونا جديدة”؟
غالبًا لا… لكن المشكلة أن العالم بعد كورونا لم يعد يسمع كلمة “فيروس” بعقل بارد.
فالجائحة السابقة لم تترك وراءها فقط أرقام ضحايا وذكريات حجر صحي، بل خلّفت أيضًا شيئًا أكثر خطورة، أزمة ثقة عالمية مزمنة، يبدو أنها أقوى مناعة اكتسبها البشر بعد الوباء.
خلال تلك السنوات، عاش الناس على إيقاع قرارات تتغير أسرع من نشرات الطقس.
الكمامة لا تنفع… ثم تنفع.
اللقاح اختياري… ثم يصبح إجباري.
جرعتان تكفيان… ثم تكتشف أن الثالثة “ضرورية”، والرابعة “احتياطية”، والخامسة فقط “للاطمئنان العلمي”، وكأن المناعة أصبحت اشتراكًا دوريا يحتاج إلى تجديد تلقائي.
وسط هذا الارتباك، لم يكن غريبًا أن تزدهر نظريات المؤامرة، تمامًا كما ازدهرت تجارة الكمامات واللقاحات، واشتعل سباق المختبرات بين Sinopharm الصيني، وAstraZeneca الغربي، واللقاح الروسي الذي دخل المنافسة وكأنه يشارك في حرب باردة بنكهة صحية.
وفي النهاية، خرجت شركات الأدوية، ومعها “شناقة المختبرات” والسماسرة الجدد، من الأزمة أكثر صحة وانتعاشًا من البشر أنفسهم، بينما بقي المواطن العادي يحاول فقط أن يفهم، ماذا وقع بالضبط؟، يشتكي من آثار جانبية وتجارب شخصية مؤلمة زادت من فقدان الثقة..
لقد غيّرت كورونا علاقة البشر بكل شيء تقريبًا، بالعلم، بالإعلام، بالمؤسسات الصحية وبالخطاب الرسمي عمومًا. وحتى بالخبر العاجل الذي صار كثيرون يستقبلونه كما يستقبلون رسائل الإعلانات المجانية، بشكّ تلقائي ورغبة فورية في الضغط على “تجاهل”.
ولعل أخطر ما خلفته الجائحة ليس الفيروس نفسه، بل ذلك الشرخ العميق في الثقة الإنسانية، الذي يجعل أي أزمة صحية جديدة تبدو وكأنها الموسم الجديد من مسلسل لم يطلب أحد تجديده.
تم جاءت فضائح عالمية، مثل قضية جيفري إبستين، لتزيد منسوب الشك، وتغذي ذلك الإحساس الشعبي بأن ما يُقال للناس شيء… وما يجري خلف الستار شيء آخر تمامًا.
وفجأة، صار كل حدث عالمي مادة خام لنظريات لا تنتهي، تربط بين رجال المال والأعمال، والسياسة، والمختبرات، و دهاليز الغرف المغلقة التي يُقال إنها تدير العالم عن بُعد أكثر مما تديره الحكومات نفسها.
وهكذا، صار المواطن البسيط تائهًا بين خوفين:
الخوف من المرض… والخوف ممن يقول إنه يملك العلاج.
واليوم، تكفي إطلالة سريعة على تعليقات رواد السوشيال ميديا حول خبر ظهور “فيروس هانتا”، لاكتشاف حجم هذا المزاج الجماعي المرتبك.
بين:
“ها كورونا… وهانا وهانتا…!”
وبين سخرية والتهكم، ونكات سوداء، ورفض تلقائي لأي لقاح لم يولد بعد..
فبمجرد الإعلان عن الفيروس الجديد، بدأ الناس في التصرف وكأنهم يعيشون الجزء الثاني من فيلم شاهدوه مرغمين ولم يخرجوا منه سوى بالتعب والشك وفاتورة نفسية متعبة أصلا.
والله يحد الباس.
