“لم نكن أحراراً بما يكفي”:صرخة فاطمة الإفريقي في وجه حريةٍ معطّلة

حديث بسمة: عزيزة حلاق

صور: بلميلود

سبعُ مشاهد… وسبعة وسبعون مقالاً.

ليست مجرد نصوص متفرقة، بل مرايا حادة تكشف أعطاب المؤسسات، وترصد ارتباك التحولات المجتمعية في قضايا متعددة. كتابةٌ تجرؤ على التسمية دون مواربة، وتشتبك مع الواقع دون قفازات. ومع ذلك، فهي ليست كتابة هدم، بل كتابة أملٍ مُقاتل، تراهن على مغربٍ يشبهنا كما نريده: مغرب الحرية، والعدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان.

هذه المقالات، في عمقها، مشروع رؤية.

نصوص متقاطعة ومتكاملة، تنبض بقلمٍ صادق لا يساوم، لا يجامل، ولا ينحني لسطوة السائد.

تبدأ الحكاية سنة 2012…

مع مقال بعنوان “وليدات المغرب”، نُشر ذات خميس، بعد عامٍ ونصف من ارتدادات الربيع المغربي. لم يكن نشره حدثاً عادياً، بل أشبه برجّة خفيفة في وعي قارئ لم يعتد أن تأتيه الجرأة من هذا الصوت تحديداً.

في ركنٍ كان حكراً على كبار كتاب الرأي، في واحدة من أشهر الجرائد المغربية، ظهرت كتابة نسائية لا تطلب الإذن… بل تمارسه.

كانت المفاجأة مضاعفة:

ليس فقط في حدّة الطرح، بل في هوية الكاتبة نفسها. امرأة تكتب رأياً صريحاً، وتضعه في مرمى النقاش العام، دون استئذان أو اعتذار..

وهنا بدأ السؤال الذي لم يُطرح بصوت عالٍ، لكنه كان حاضراً في الذهنيات:

هل صار للمرأة رأي؟

نعم.

وكان لهذا الرأي اسم: فاطمة الإفريقي.

إعلامية لامعة، تألقت في التلفزيون المغربي كمنتجة ومقدمة لبرامج فنية وثقافية، قبل أن تفتح لنفسها مساراً آخر… أكثر وعورة، وأكثر صدقاً: مسار الكتابة.

سرعان ما تحوّل عمودها الأسبوعي إلى موعدٍ مُنتظر، وإلى مساحة ينتظرها القراء لا للاطمئنان، بل للانزعاج الجميل… ذاك الذي يوقظ الأسئلة، ويخلخل المسلمات.

فاطمة لم تعد تكتب فقط، بل كانت تُعيد تشكيل العلاقة بين القارئ والرأي.

اليوم، وبعد أربعة عشر عاماً على صرختها الأولى، “وليدات المغرب”، تعود فاطمة الإفريقي لا بمقال جديد، بل بحصيلة تجربة… بكتابٍ يُشبهها، جريء، مشاكس، ولا يطلب الغفران.

توقّع أول إصدار لها، جامعاً لسبعٍ وسبعين مقالاً، ووسمته بعنوانٍ يختصر المسافة بين الحلم والواقع: “لم نكن أحراراً بما يكفي”.

عنوان ليس مجرد اختيار لغوي، بل موقف.

سبعُ مشاهد تتقاطع عند كلمة واحدة: الحرية.

حريةٌ تُلامس، تُراوغ، تُؤجَّل… لكنها لا تكتمل.

في هذا الكتاب، لا تُرتَّب المقالات اعتباطاً، بل تنسجها يدٌ تعرف ما تفعل، بخيطٍ ناظمٍ مشدود، يُحكم قبضته على تفاصيل دقيقة: على النقط الملتبسة في نظامنا السياسي، على أعطاب مجتمعٍ يبدو، في كثير من لحظاته، مُداراً أكثر مما هو حرّ.

هنا، لا تكتفي الكاتبة بالتشخيص، بل تضع الأصبع على الجرح… دون أن تدّعي امتلاك العلاج.

تكتب لتكشف، لا لتُرضي.

لتسائل، لا لتُسكّن.

“لم نكن أحراراً بما يكفي” ليس مجرد كتاب مقالات،

بل شهادة زمن…

ونصّ مفتوح على ما لم نجرؤ بعد على قوله، بعد أن “قطعوا فينا الحس”.

 

 

 

 

 

Exit mobile version