حديث بسمة/ عزيزة حلاق
ظاهرة الدكتور العوضي: تفوق الخرافة على العقل
ما يُسمّى بظاهرة الدكتور ضياء العوضي لم تعد مجرد محتوى عابر على منصات التواصل، بل تحوّلت إلى مادة للجدل الواسع، بين من يتلقّاها بدهشة، ومن يروّج لها باعتبارها “حقيقة بديلة” خارجة عن المألوف. ظاهرة تقوم على الصدمة، وعلى كسر كل ما هو مستقر من بديهيات، لتجذب الانتباه وتفرض حضورها، حتى ولو كان ذلك على حساب المنطق والعلم والعقل.
في هذا السياق، تأتي قائمة “الممنوعات” التي يروّج لها، طويلة إلى حد يثير الاستغراب: الخيار، الكوسة (الكرعة)، الباذنجان، الفلفل الأخضر والملون، الثوم، البصل، الفول، البازلاء (اللوبيا الخضراء)، الملوخية… بل وحتى المعكرونة ممنوعة، بدعوى أنها “بلاستيك”، وكأن الطبيعة تآمرت فجأة على الإنسان، ولم يبق له سوى أن يشكّ في كل ما يأكله.
في المقابل، تبدو “المسموحات” أكثر إثارة للدهشة: الآيس كريم بشرط أن يكون من نوع “نظيف”، مثل أوريو، والبرغر، والنوتيلا، بل والأغرب يوصى بتناول ما لا يقل عن ربع كيلوغرام من السكر يوميًا… نصيحة لو اتُّبعت حرفيًا، فلن نحتاج بعدها إلى البحث عن أمراض، فهي ستتكفل بالحضور من تلقاء نفسها.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتحول التدخين من عادة ضارة إلى “فضيلة”، ومن اختيار شخصي إلى معيار للرجولة، في تعريف مختزل حد السذاجة، “نَفَس يدخل ونَفَس يخرج”… وكأن كل ما يدخل ويخرج من الجسد يصلح أن يكون فلسفة حياة، مع دعوة مفتوحة للجميع، رجالًا ونساءً وشبابًا، لاعتماده، إلى جانب الشيشة، بل وحتى التساهل مع بعض المواد المخدِّرة.
أما في ما يخص المرضى، فهنا لا يعود الأمر مثيرًا للسخرية بقدر ما يصبح مقلقًا: دعوات صريحة لترك الأدوية والعلاجات، من التوقف عن الأنسولين لمرضى السكري من النوع الأول، إلى إيقاف أدوية تثبيط المناعة لمرضى زراعة الكلى، وصولًا إلى التخلي عن العلاجين الإشعاعي والكيميائي لمرضى السرطان… وكأن الطب بكل تاريخه وخبراته مجرد تفصيل يمكن تجاوزه بنصيحة عابرة في مقطع فيديو.
لن أقدّم هنا تقييمًا طبيًا لهذه “الوصفات”، ولا أدخل في جدل المؤيدين والمعارضين، فذلك ليس مجالي. لكن ما يمكن التوقف عنده هو الفكرة التي تختصر هذا المشهد: تعدد مصادر المعرفة لا يعني بالضرورة ترسيخ الوعي. نحن أمام مفارقة واضحة؛ انتشار واسع للخرافة في زمن يُفترض أنه زمن العلم. فالمشكلة ليست في وجود الوهم، بل في قدرته على التسلل إلى العقول، مستفيدًا من حاجة الإنسان إلى تفسير سريع وطمأنينة سهلة، حتى لو كان الثمن التخلي عن منطق العقل.
غير أن أكثر ما يثير الاستفزاز في هذا الخطاب ليس فقط طابعه غير العلمي، بل موقفه من المرأة. خطاب مشحون بنبرة انفعالية متعصبة، يكشف عن ذهنية ذكورية متعالية؛ ينفي خيانة الرجل بالمطلق، ويقرّها على المرأة، ويسلب الزوجة أبسط حقوقها في التساؤل أو الاستفسار: لا يحق لها أن تسأل زوجها إلى أين يذهب أو متى يعود، ولا أن تناقشه في سلوكه، مهما كان السؤال عاديا..
بل يصل الأمر إلى التباهي بسلوكيات يومية تعكس قدرًا من الاستهتار، كالتدخين داخل البيت وإطفاء السجائر على الأرض أو على الملابس، والاعتزاز بآثار حروقها على ثيابه كلها، عدا قميصين يكرر الظهور بهما في فيديوهاته..
والمفارقة الأشد غرابة أن الجدل الذي صنعه في حياته لم يخفت بغيابه، بل تضاعف بعد وفاته، ليعود اسمه متصدرًا “الترند”، انطلاقًا من غرفة فندق في الإمارات… كأن الحكاية لم تنتهِ، بل وجدت حياة جديدة في فضاء أكثر اتساعًا وتأثيرًا..
ظاهرة العوضي، ليست في النهاية، مجرد “ظاهرة” عابرة، بل مرآة تعكس خللًا أعمق، هشاشة الوعي حين يُترك فريسة لخطاب شعبوي، يخلط بين الجرأة والتهور، وبين التمرد والعشوائية… في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى صوت العقل والمنطق.
