القصر الكبير تغرق… والمصير معلّق

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

في هذا الوطن، لا تأتي المآسي فرادى، بل تتعاقب كأنها اختبارات قاسية للصبر والذاكرة. من جبال الحوز التي اهتزّت ذات ليلة تحت وقع الزلزال، إلى صدمة آسفي، وها نحن اليوم نعيش فاجعة أخرى: فيضانات غير مسبوقة تُفرغ مدينة القصر الكبير من سكانها.

ليس سهلًا أن تشاهد مدينةً وهي تُفرغ من نبضها، من ضحكات أطفالها، من دفء البيوت التي كانت، حتى الأمس القريب، مأوى للذكريات والأحلام. القصر الكبير، المدينة الشمالية الهادئة، لم تعد كما كانت. صارت فجأة عنوانًا للفاجعة، ومرآةً لضعف الإنسان أمام غضب الطبيعة، وهشاشته حين يُترك وحيدًا في العراء.

المدينة تشهد حاليًا واحدة من أسوأ لحظاتها، مع توقعات بارتفاع كبير في معدلات الأمطار، وتهديد حقيقي لحياة السكان الذين غادروها مكرهين، لا يحملون معهم سوى قلوب مثقلة بسؤال واحد: أين المفر؟

تركوا خلفهم جدرانًا مشبعة بالذكريات، وصورًا معلّقة على حيطان قد تبتلعها المياه في أية لحظة. خرجوا لا لأنهم أرادوا الرحيل، بل لأن البقاء صار خطرًا، لأن الماء لم يعد نعمة بل تهديدًا. انقطع الماء والكهرباء، وخلت الشوارع والأزقة والأحياء، إلا من صمت ثقيل ونعيق الغربان.

نحن، الذين نتابع أخبارهم عبر شاشات الهواتف، نجلس في بيوت دافئة، نحتسي قهوتنا، ونقلّب صور الفيضانات بأصابع باردة. نشعر بالعجز، باللاجدوى، وبذنب خفي: لماذا نحن هنا آمنون، وهم هناك يواجهون المجهول؟ نضغط زرّ “مشاركة”، نكتب تعليقًا متعاطفًا، ثم نعود إلى حياتنا، وكأن شيئًا لم يكن.

لكن شيئًا ما انكسر في الداخل.

لأن الكارثة لم تعد خبرًا عابرًا، بل وجعًا جماعيًا. لأن هؤلاء ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل أمهات وآباء، طلبة وعمال، وحالمين بحياة بسيطة. لأن مدينة كاملة صارت فجأة بلا سكان، بلا صوت، وبلا ضوء في نوافذها عند المساء.

أي مصير ينتظرهم؟

هل سيعودون إلى بيوت أنهكها الماء؟

هل ستُرمَّم الجدران، وتبقى الندوب في القلوب؟

أم سيُدفع بهم إلى هامش النسيان، حيث تتحول المأساة إلى ذكرى موسمية، كما حدث مع زلزال الحوز؟

الفيضان كشف هشاشة البنية، لكنه كشف أكثر هشاشة التضامن حين يبقى حبيس “الافتراضي”. كشف أننا نتقاسم الألم بالصور، لا بالفعل، وأن التعاطف، مهما كان صادقًا، لا يكفي وحده لإعادة بيت، أو طمأنة طفل، أو تضميد خوف أمام أمام بيوت تنهار، أسر تُهجَّر، وأحلام تُعلَّق في الهواء.

في الحوز، وبعد أن انسحبت عدسات الكاميرات، ما تزال أسر كاملة تعيش تحت خيام بلاستيكية، تنتظر وعد الإعمار. هناك، لم تنتهِ الكارثة… فقط توقفت عن تصدّر العناوين.

واليوم، في القصر الكبير، يُعاد السيناريو بطريقة أخرى. لم تهتزّ الأرض هذه المرة، بل فاض السد وفاضت مياه الأمطار وفاض المصب عند البحر. لم تسقط الجبال، بل غرقت المدينة والنتيجة واحدة: نزوح قسري، خوف، ومستقبل معلّق.

أهل القصر الكبير خرجوا من بيوتهم كما خرج أهل الحوز من تحت الأنقاض، بقلوب مرتجفة، وبأسئلة بلا أجوبة. لا يعرفون متى يعودون، ولا كيف، ولا إن كانت العودة ممكنة أصلًا.

ولأن المآسي لا تُقاس بحجم الدمار،

بل بطول الانتظار بعدها.

ما حدث في القصر الكبير ليس قدرًا خالصًا، ولا غضب طبيعة فقط. هو أيضًا نتيجة تراكمات من سوء التدبير، وغياب الرؤية الاستباقية، والتعامل مع الكوارث بمنطق ردّ الفعل بدل الوقاية. كوارث كان يمكن التخفيف من آثارها، أو تفادي جزء كبير منها، لو وُضع الإنسان في صدارة الأولويات، لا في ذيل التقارير.

القصر الكبير اليوم لا تحتاج فقط إلى مضخات ماء، بل إلى مضخات أمل. إلى سياسة إنصاف، وإلى تخطيط يحمي الإنسان قبل الإسمنت، وإلى ضمير جماعي لا ينسى بعد انحسار المياه.

 

Exit mobile version