جزيرة إبستين:انحرفت العدالة و انتصرت الصحافة

حديث بسمة/عزيزة حلاق

لم تكن قضية جيفري إبستين خبرًا عابرًا، ولا فضيحة موسمية تُطوى مع الوقت. كانت صدمة أخلاقية هزّت صورة ما يُسمّى بـ”الحضارة المتقدمة”، وكشفت أن خلف الواجهات اللامعة قد تختبئ أبشع الجرائم.

جرائم عابرة للقارات، للأنظمة، بل ولمعنى الإنسانية ذاته.

ما جرى هناك لم يكن انحرافًا فرديًا ولا جريمة معزولة، بل ممارسة منظّمة للاعتداء والاستغلال، جرت تحت حماية شبكة معقّدة من الصمت والتواطؤ، نسجتها المصالح المتبادلة بين أصحاب النفوذ في السياسة والمال، وحتى الإعلام.

هناك، لم تُنتهك أجساد فقط، بل انتُهكت الطفولة، والثقة، والكرامة الإنسانية.

ومع ذلك، استمر هذا الجحيم الخفي لسنوات طويلة.

السؤال الذي يفرض نفسه: كيف؟

الجواب المؤلم: بالصمت.

صمت المؤسسات. صمت القضاء. وصمت الإعلام.

كان المال يشتري الحماية، والعلاقات تصنع الحصانة، والنفوذ يُغلق الملفات. تحوّل القانون إلى إجراء شكلي، وتحولت العدالة إلى وعد مؤجَّل. لم تكن الضحايا مهملات فقط، بل منسيات عمدًا.

لكن الصمت، مهما طال، لا يدوم.

كان لا بدّ لضميرٍ ما أن يستيقظ، ولصوتٍ أن يخرج من العتمة، في عالمٍ اعتاد حماية الأقوياء وإسكات الضحايا.

هذا الضمير تجسّد في امرأتين صحفيتين. فقبل أن يصبح اسم جولي براون عنوانًا له، كانت هناك صحفية أخرى تمشي وحدها على صفيحٍ ساخن، تقول الحقيقة في عزلة شبه تامة: كونشيتا سارنوف.

فمنذ عام 2006، وبعد تلقيها معلومة صادمة في المكسيك عن الاتجار الجنسي واستغلال الأطفال، بدأت سارنوف تحقيقاتها حول تورّط جيفري إبستين في هذه الجرائم. طرقت الأبواب مبكرًا، لكن أحدًا لم يكن مستعدًا للاستماع. كانت المهمة “مستحيلة” في عالم تحكمه شبكات المال والنفوذ السياسي والجنسي، حيث تُعطَّل العدالة وتُخنق الحقيقة.

كتبت سارنوف كتابها الصادم: “ملك الاتجار: قضية جيفري إبستين”، ورفضته دور النشر أكثر من 27 مرة، قبل أن يرى النور عام 2011. كانت قد قالت الحقيقة… قبل أوانها.

ثم، في عامي 2018 و2019، قررت جولي براون، صحفية Miami Herald، فتح القبر المغلق من جديد. لم تدخل القضية بحثًا عن شهرة، بل بدافع أخلاقي بسيط، وحسّ صحفي مهني عميق: الحقيقة لا تموت، حتى لو حاولوا قتلها ودفنها.

قضت أكثر من عام في تفكيك شبكة الأكاذيب: آلاف الوثائق، عشرات الشهادات، مقابلات مع الضحايا، ومراجعة دقيقة لكل تفصيل. لم تعتمد على الإثارة، بل على الصبر والنزاهة والإيمان بدور الصحافة.

في تحقيقها الشهير “انحراف العدالة”، كشفت كيف تحولت جزيرة إبستين إلى فضاء للجريمة المنظمة، وكيف وفّرت له المؤسسات حصانة غير معلنة، وكيف أُسكتت الضحايا لسنوات.

للمرة الأولى، خرجت الأصوات المكسورة إلى العلن.

للمرة الأولى، أصبح الألم مرئيًا.

وللمرة الأولى، أدرك الرأي العام أن ما جرى ليس “حادثة فردية”، بل انهيارًا أخلاقيًا شاملًا.

لم يكن الطريق سهلًا. واجهت براون ضغوطًا قانونية وتهديدات ومحاولات ترهيب، لكنها لم تتراجع. لأن الصحافة، حين تكون وفية لرسالتها، لا تفاوض على الحقيقة.

وبفضل هذا العمل، أُعيد فتح الملف، واعتُقل إبستين سنة 2019 بعد عقود من الإفلات من العقاب، وبدأت منظومة الحماية في التصدّع.

لم تُنقذ الصحافة الضحايا من الماضي، لكنها منحتهم العدالة في الحاضر، والأمل في المستقبل.

وهنا تتجلى المفارقة القاسية:

لم تنقذ العدالة الرسمية هؤلاء الفتيات، بل أنقذتهن صحفيتان، واحدة قالت الحقيقة مبكرًا ودُفعت إلى الهامش، وأخرى أصرت حتى فُتحت الأبواب.

وفي 30 يناير 2026، أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن أضخم دفعة وثائق في تاريخ القضية، التزامًا بما سُمّي “قانون شفافية ملفات إبستين”:

أكثر من 3 ملايين صفحة،

حوالي 180 ألف صورة،

وأكثر من 2000 مقطع فيديو.

كان ذلك زلزالًا أخلاقيًا، وإسقاطًا مدويًا لوهم تفوّق العدالة الغربية، وضربةً قاسية لصورة المؤسسات “المحايدة”، وكشفًا لحقيقة أن الديمقراطية، حين تُفرَّغ من الأخلاق، قد تتحول إلى غطاء أنيق للفساد.

لكن، في المقابل، أعادت هذه القضية الاعتبار لقيمة نبيلة كادت تُنسى: الصحافة الحرة.

الصحافة التي لا تُشترى، ولا تخضع، والتي تضع الحقيقة والإنسان أولًا… لا النفوذ.

اليوم، لم تعد “جزيرة العار” مجرد مكان مهجور في البحر، بل صارت رمزًا عالميًا لما يحدث حين يغيب الضمير، وحين يُترك الضعفاء وحدهم في مواجهة وحش السلطة والمال والنفوذ.

وهذا هو جوهر حديث بسمة اليوم:

أن نؤمن بأن العدالة قد تتعثر، لكنها لا تموت.

وأن الصحافة، حين تكون صحافة، لا تكتفي بوصف الواقع… بل تفضحه و تغيّره.

وأن الإنسان، مهما كُسرت روحه، يستحق دائمًا من يدافع عنه.

Exit mobile version