الشهيدة اخناثة الروندة والحفيدة:نبض صامت يعود للحياة

حديث بسمة: عزيزة حلاق

صور: بلميلود

حين كتبتُ يوم 18 نونبر 2025، عن الصدفة والقدر اللذين جمعاني بمراكش، في ذلك اليوم المصادف لعيد استقلال المغرب، بحفيدة المجاهدة الشهيدة اخناثة الروندة، لم أكن أستحضر أن الحكاية ستتجاوز مجرد تذكّر عابر.

كانت الحفيدة واسمها خولة العلوي المدغري، قد اكتشفت، عبر الفيلم الوثائقي الذي أنجزته قبل ست سنوات تحت عنوان “نساء من عوالم منسية”، معطيات لم تكن تعرفها عن جدتها الكبرى، المرأة التي استشهدت خلال انتفاضة 29 أبريل 1944 المجيدة بمدينة سلا. ودفنت في حوش واحد رفقة ست شهداء بالقرب من ضريح سيدي بنعاشر بمدينة سلا العتيقة.

في رحلة بحثها عبر الإنترنت عن أثرٍ لذاكرة جدتها، صادفت حوارًا مترجمًا إلى الإنجليزية حول الفيلم، وجدت فيه اسمي. كان ذلك الاكتشاف بداية خيط إنساني دافئ، انطلق من تواصل افتراضي عبر الفايسبوك، ليتحوّل تدريجيًا من مصادفة عابرة إلى لقاء إنساني عميق أعاد للذاكرة نبضها، وللحكاية معناها الأوسع.

فبعد أن كان طلبها الوحيد هو زيارة قبر جدتها والترحم على روحها، توالت الصدف بشكل غريب. صدف قادتنا، عبر خبر قديم نشر بجريدة “لوماتان”، إلى فتح ملف آخر أكثر التباسًا: البحث عن مصير وسام المكافأة الوطنية من درجة قائد، الذي أنعم به جلالة الملك محمد السادس عليها بتاريخ 11 يناير 2005، بمناسبة تخليد الذكرى الحادية والستين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، وهو وسام لم تكن العائلة تعلم عنه شيئًا، ولم تتوصل به قط.

وهنا ستتدخل الصدفة مرة أخرى، لتمتد يد الصديقة أمينة أوشلح، الكاتبة والمناضلة السياسية والحقوقية، في محاولة لتفكيك خيوط هذا اللغز، عبر عقد لقاء موسع مع السيد مصطفى الكثيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. لقاء أكد خلاله أن الوسام الملكي مُنح فعلًا للشهيدة، باقتراح من المندوبية السامية، إلى جانب شهداء آخرين سقطوا خلال انتفاضة 29 يناير 1944 بساحة باب بوحاجة، التي تحمل اليوم اسم ساحة الشهداء.

وتوصلنا بنسخة من لائحة المنعم عليهم بالوسام، وكان من بينهم اسم اخناثة الروندة، غير أن الملاحظة المثيرة للانتباه تمثلت في الإشارة، أمام اسمها، إلى شخص يدعى الصديق الروندة، باعتباره المتوصل بالوسام.

وهنا يُفتح قوس كبير، لا يزال مفتوحًا إلى اليوم: من يكون هذا الشخص؟ وكيف توصل بوسام لا تعرفه الأسرة، ولا تربطها به أي صلة؟ وتلكم قصة أخرى..

هنا لا بد من تقديم جزيل الشكر والامتنان للسيد مصطفى الكثيري، ولفريقه بالمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، هذه المؤسسة التي دأبت على تخليد ذكرى الانتفاضة كموعد سنوي قار، كل يوم 29 يناير، وهو تاريخ يُعدّ نقطة مفصلية في مسار المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي.

شكرًا له على دعوته لنا، وعلى اقتراحه حضور حفيدة الشهيدة هذه الاحتفالية، ومرافقتها الوفد الرسمي للمندوبية في زيارة الترحم على أرواح الشهداء، ومن بينهم قبر جدتها اخناثة الروندة، مع تقديم ورقة تعريفية عن الشهيدة، تشرفتُ بإلقائها أمام حضور وازن في اليوم نفسه.

كم كانت الحفيدة خولة متأثرة صباح ذلك اليوم، وهي تقف بعد مرور 82 سنة على استشهاد جدتها، ضمن وفد المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، إلى جانب ممثلي السلطات المحلية، يتقدمهم السيد العامل عمر التويمي أمام قبر شهداء 29 يناير 1944 بسلا.

وقفت حفيدة اخناثة الروندة، للمرة الأولى، أمام قبر ظل صامتًا لعقود.

صمتٌ لم يكن نسيانًا،

بل انتظارًا.

انتظار من يُصغي، ويعيد للذاكرة صوتها،

ويردّ للاسم مكانته المستحقة.

لم تكن الزيارة مجرّد قراءة فاتحة،

بل فعل استحضار،

وردّ اعتبار لامرأة قاومت، استُشهدت، ورحلت في صمت.

خولة وأمام قبر جدتها، أقسمت أنها لن تكتفي بالذاكرة، بل ستحمل المشعل. اختارت أن تجمع خيوط حكاية جدتها الكبرى، لا لترويها فقط، بل لتوثّقها في قصة مهداة للأطفال وشريط نشتغل عليه، انطلاقًا من هذه الوقفة وهذا التكريم الذي يشكّل بداية لمسار استعادة مستحقة.

هناك، أمام ذلك القبر، تذكّرنا جميعًا أن التاريخ لا يُكتب فقط بأسماء الرجال،

بل أيضًا بخطوات النساء اللواتي مشين في الظل،

وصنعن المعنى بصمت..

 

 

Exit mobile version