حديث بسمة/ عزيزة حلاق
هناك أغانٍ لا نتذكرها فقط، بل نتذكر معها أشخاصًا وأزمنة وأمكنة لا تعود.
من بين تلك الأغاني، أغنية لدوللي بارتون اسمها “Coat of Many Colors”، أو “معطف من ألوان كثيرة”. حفظتها، ولم أكن بحاجة يومها إلى أن أفهم كل كلماتها حتى أحبها. فقد أحببت دوللي أولًا من خلال صديقة ورفيقة عزيزة كانت تقلدها، وتعزف أغانيها على الكيتار، وتمنح صوتها تلك النبرة التي جعلت دوللي قريبة منا. ومع الوقت، فهمت كلمات الأغنية ورسالتها.
وإلى اليوم، كلما التقيت رفيقتي، نتذكر تلك الأغنية، ونستعيد معها تلك الأيام، وصوتها وهي تغنيها، وكيتارها، وطريقتها في تقليد تلك الفنانة التي لم نكن نعرف آنذاك كم ستكبر حكايتها في العالم وتصبح أسطورة موسيقى”الكانتري”. وكلما تذكرت الأغنية وحدي أو رددت لحنها، لا تحضر دوللي وحدها في ذاكرتي، بل تحضر رفيقتي أيضًا، بصوتها وكيتارها، وبذلك الزمن الذي ما زال يسكن الذاكرة.
وقبل أن تكون نجمة وحسب، كتبت دوللي آلاف الأغاني، حوالي 3000 أغنية، وسجلت منها نحو 400 اغنية، بينما تحولت عشرات الأغاني التي كتبتها إلى أعمال شهيرة بأصوات فنانين أخرين.
غنت عن أشياء تبدو بسيطة، لكنها كانت تعرف كيف تحول البسيط إلى معنى إنساني وعالمي. غنت عن المرأة، وعن الحب والفقد، وجسدت ذلك في رائعتها “جولين”، و”سأظل أحبك دائما” أهدتها لروح زوجها. و غنت “من 9 إلى 5″، عن الطموح والكرامة، “بيتي الجبلي”، عن طفولة لم تحاول أن تخجل منها، بل جعلتها جزءًا من قوتها.
ومن بين كل ما تركته، ستظل “Coat of Many Colors” بالنسبة إليّ أكثر من أغنية.
في هذه الأغنية، تستعيد دوللي ذكرى طفولتها الفقيرة، حين صنعت لها أمها معطفًا من قطع قماش مختلفة الألوان. كانت الطفلة سعيدة بمعطفها، بينما سخر منها أطفال المدرسة لأنها فقيرة ولا تملك ثيابًا مثلهم. لكن أمها علّمتها أن قيمة المعطف ليست في ثمنه، بل في الحب الذي خاطته في كل قطعة منه.
وهكذا يتحول “المعطف” في الأغنية من رمز للفقر إلى رمز للغنى العاطفي، والكرامة، وحب الأم.
لذلك جاء خبر رحيل دوللي بارتون مختلفًا بالنسبة إليّ.
لم أشعر أن نجمة عالمية غابت فحسب، بل شعرت أن بابًا قديمًا في الذاكرة فُتح فجأة، وأن من خلفه خرجت أغنية، ورفيقة، وشيء من زمن بعيد لم تستطع السنوات أن تمحوه.
رحلت دوللي بارتون… لكن بعض الناس لا يرحلون تمامًا. يتركون أصواتهم في الأغاني، ووجوههم في الذاكرة، وشيئًا منهم فينا.
