حديث بسمة / عزيزة حلاق
من أكثر ما استوقفني في التعليقات التي رافقت مشاهد الهروب الجماعي نحو سبتة، ذلك الخطاب الذي سارع إلى توزيع المسؤوليات بطريقة مريحة جدًا: الآباء فشلوا في تربية أبنائهم، والأبناء أساؤوا إلى صورة الوطن، وأصوات ارتفعت في وجههم: “اتْفوا عليكم… شوهتونا في العالم”. بل إن هناك من قال:” قللين الترابي وقلة العصا”، ومن طالب باعتقالهم ومعاقبتهم و” اللي ما مربيش خص تعاودلو التربية”، وكأن ما حدث عيب وطني ينبغي معاقبة أصحابه قبل أن يكون سؤالًا وطنيًا يستحق أن نتوقف عنده.
وكأن المسألة كلها تبدأ وتنتهي داخل البيت.
لكن هل يمكن اختزال مشهد بهذا الحجم في تربية أسرة، أو في تهور شباب؟ وهل يصبح هؤلاء الشباب فجأة “عارًا” على الوطن لأنهم حاولوا الرحيل، بينما لا نسأل أنفسنا بما يكفي: لماذا أصبح الرحيل، بالنسبة إلى بعضهم، حلمًا؟ وما الذي جعل الوطن الذي يفترض أن يكون مساحة للأمل والمستقبل يبدو أقل إغراءً من الضفة الأخرى؟
لا أحد يقول إن ما حدث طبيعي أو محمود، ولا إن تعريض النفس للخطر يمكن أن يكون حلًا. لكن تحويل هؤلاء الشباب إلى متهمين فقط، وشتمهم وإهانتهم باسم “صورة الوطن”، قد يكون أسهل بكثير من مواجهة السؤال الأصعب: “أي وطن نريد أن نبني، حتى يصبح البقاء فيه اختيارًا طوعيًا، لا مجرد أمر واقع؟
فالوطن لا يحمي صورته أمام العالم بالعصا والتهديد، ولا بإسكات الغاضبين والمحتجين، ولا بتحميل الأسر وحدها مسؤولية خيبات جيل كامل. ونحن نشاهد صرخات أمهات وأباء يخاطرون هم أيضا رفقة أطفالهم بأرواحهم ليلة الهروب الكبير.
غريب هذا التفسير الذي يمنح أصحابه راحة أخلاقية هائلة: نحن لم نفشل في توفير الفرص، ولا في تحقيق العدالة الاجتماعية، ولا في جعل المدرسة فضاءً للارتقاء، ولا في ضمان الشغل والكرامة… إنها الأسرة التي فشلت في التربية.
هنا سأتوقف قليلا ..
كيف نطلب من شاب أن يقتنع بأن مستقبله هنا، بينما يرى آخرين يملكون مفاتيح الحياة، في حين يعجز هو عن امتلاك أبسط شروطها.
المؤلم أكثر أن بعض الذين يكتبون بغضب عن هؤلاء الشباب، ويصفونهم بالجحود أو سوء التربية أو الإساءة إلى الوطن، يعيشون داخل منطقة راحة (Zone de confort) تجعلهم بعيدين، أو ربما غير مضطرين، إلى طرح سؤال الحرمان.
هم يخشون أن تتأثر مساحة راحتهم، وأن يهتز نمط عيش اعتادوه، أو أن يفقدوا بعض الامتيازات التي جعلت علاقتهم بالوطن أكثر أمانًا واستقرارا واطمئنانًا. ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن يبدو لهم الوطن مختلفًا تمامًا عن الوطن الذي يراه شاب يبحث عن أول فرصة عمل، أو أسرة تكافح لتأمين أبسط شروط الحياة.
بالنسبة إلى هؤلاء، قد يكون الوطن راتبًا محترمًا، ووظيفة مستقرة، وتعليمًا جيدًا للأبناء، ومسكنًا لائقًا، وعلاقات وامتيازات، وإمكانية للسفر حين يشاؤون.
وقد يكون الوطن، بالنسبة إلى آخرين، شيئًا مختلفًا تمامًا: انتظارًا طويلًا، وأبوابًا مغلقة، وشهادة لا تفتح باب العمل، وحلمًا مؤجلًا، وحياةً معلقة على أمل قد يأتي وقد لا يأتي.
لهذا، ربما علينا قبل أن نسأل الشاب: “كيف تجرأت على التفكير في الرحيل؟”، أن نسأل أنفسنا: “من أي موقع نطالبه بحب الوطن؟ ومن أي موقع نحاكم اختياره؟
فمن السهل أن تطلب من شخص يعيش الأمان أن يتمسك بالوطن، لكن الأصعب أن تفهم ماذا يعني الوطن لشخص لم يجد فيه بعدُ ما يجعله يشعر بالأمان.
من يملك مفاتيح الحياة لا يفهم من يقف أمام الأبواب المغلقة.
أيها الغاضبون… حافظوا على أمنكم وامتيازاتكم، لكن رجاءً، لا تحاكموا من فقد الأمان ويعيش الحرمان.

