السي بنكيران… حين يرفع سقف النقاش ثم يفقد البوصلة

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

أعترف بدايةً بأنني أحترم السيد عبد الإله بنكيران وأتابع خرجاته باهتمام، ورغم اختلافي معه في كثير من المواقف، أحيي فيه جرأته السياسية وصراحته. قد يصيب وقد يخطئ، وهذا طبيعي في السياسة. لكن، يبقى من السياسيين الذين لا يمرون في المشهد مرورًا عابرًا؛ يقول، ويجادل، ويستفز أحيانًا، يحرّك النقاش ويدفع الناس إلى الكلام في قضايا قد لا يجرؤ آخرون على الاقتراب منها. لديه قدرة لافتة على التواصل المباشر مع المواطنين. وهذه ميزات تُحسب له، اتفقنا معه أو اختلفنا.

لكن المشكلة أن بنكيران نفسه، وهو الذي يستطيع أحيانًا أن يرفع سقف النقاش السياسي، يفقد هذه البوصلة عندما يقترب من موضوع المرأة.

وهنا أوافق الأستاذ خالد البكاري، وما جاء في تدوينته الأخيرة، حين كتب أمس على صفحته في فايسبوك:

«بنكيران لي رفع سقف النقاش السياسي شوية (أما الحقيقة فهي حتى واحد من زعماء الأحزاب الانتخابية ما يقدر يمشي للنقاش الحقيقي ديال السلطة والمال) فاش طالب الملك بفتح تحقيق في أحداث سبتة، وفاش ناقش حدود تدخل مستشاري الملك، هو نفسه لي نزل النقاش إلى الحضيض فاش دخل في المعاطية مع مايسة، وقال بطريقة لا أخلاقية بالنسبة لي إن مشكلتها هي ما مزوجاش، واختزل نجاح المرأة، أي امرأة، في أنها تدبر على رجل. وإذا قلب في الحزب ديالو غيلقا بزاف ما مزوجينش، وهادا ما فيه لا عيب ولا انتقاص، غير فدماغ عبد الإله بنكيران».

وهنا بصراحة، أشعر أن السي بنكيران سقط في حضيض لا يليق به، كما عبّر عن ذلك الأستاذ البكاري.

فالطريقة التي هاجم بها ميساء، بالنسبة إليّ، لا تقلل من ميساء بقدر ما تقلل منه هو.

كان يمكنه أن يناقش أفكارها، أن يختلف معها، أن ينتقد مواقفها، وأن يواجهها بالحجة والحجة المضادة. وكان يمكنه أن يكون قاسيًا في نقده، إذا اقتضى الأمر، فهذا حقه كسياسي، بل ومن صميم الاختلاف السياسي.

بل كان يمكنه، بكل بساطة، ألا يرد عليها أصلًا، وكفى المؤمنين شرّ القتال.

لكنه اختار، بشكل غير موفق، أن يقتحم حياتها الخاصة، وأن يجعل من عدم زواجها مادة للهجوم والتهكم والقهقهة المستفزة؛ وهي قهقهة لا تستفز شخص ميساء وحدها، بل تستفز كل من يرفض تحويل الحياة الخاصة للإنسان إلى أداة للعقاب السياسي أو الأخلاقي، لمجرد أنه لا يتفق مع صاحبه أو يعارض رأيه.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية للسيد بنكيران،

أن ترفع سقف النقاش حين يتعلق الأمر بالسلطة والمال والسياسة، ثم تخفضه إلى مستوى الحياة الخاصة حين يتعلق الأمر بامرأة تختلف معها، فهذه ليست مجرد زلة في التعبير.

إنها مفارقة تستحق أن نتوقف عندها.

لأن قوة السياسي ليست في أن يقول كل ما يخطر بباله، وإنما في أن يعرف أين يجب أن يضع حدًا لكلامه، وأن يميز بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها، وبين مواجهة الموقف واقتحام الحياة الخاصة.

وبنكيران، بما له من حضور وتأثير وقدرة على تحريك النقاش، كان يمكنه أن يقدم نموذجًا آخر في الاختلاف.

كان يمكنه أن يختلف مع ميساء كما يشاء، لكن من دون أن يجعل من زواجها أو عدم زواجها قضية.

فالمرأة لا تحتاج إلى رجل كي يثبت نجاحها، كما أن الرجل لا يحتاج إلى امرأة كي يثبت نجاحه.

والزواج اختيار شخصي، وليس شهادة كفاءة سياسية أو أخلاقية.

لهذا، فإن ما أزعجني في هذه الواقعة ليس فقط ما قيل عن ميساء، وإنما هذا التناقض بين بنكيران الذي نحترم فيه، أحيانًا، جرأته على كسر الصمت، وبنكيران نفسه حين يتحول هذا الكسر إلى اقتحام لما لا ينبغي أن يكون موضوعًا للنقاش أصلًا.

ولماذا، كلما تعلق الأمر بالمرأة، يعود بنكيران إلى الثلاثية نفسها: البيت، والزواج، وتربية الأبناء؟

وهو، حين كان رئيسًا للحكومة، لم يتردد في اختزال وجود المرأة وكيانها في عبارة من قبيل “ثرية ديال الدار” هذا هو دورها في الحياة. وعوض أن يحث الفتيات على الدراسة والتكوين وبناء مستقبلهن، نجده، في بعض خرجاته، يدفعهن نحو الزواج، من قبيل: ” دبروا على الرجال واللي لقات شي رجل تبطر به”…

وكأن المرأة، في هذا التصور، لا يمكن أن يكون لها كيان خارج هذه الدائرة.

وكأن نجاحها لا يُقاس بما تتعلمه، وما تبنيه، وما تحققه، وما تقدمه لنفسها ولمجتمعها، وإنما بمن تزوجت، وبالبيت الذي تديره، وبالأبناء الذين تربيهم.

يبدو أن السي بنكيرن، لم يستوعب بعد، أو ربما لا يريد أن يستوعب، أن المرأة المغربية لم تعد تنتظر من يعرّف لها مكانها في الحياة.

لقد أصبحت لها شخصيتها المستقلة، وعقلها، ومشروعها، وحقها في أن تقرر مصيرها، تتزوج أو لا تتزوج، تنجب أو لا تنجب، تختار مهنتها، تكتب، تفكر، تشتغل في السياسة، وتساهم في تقرير مصير بلدها.

الزواج سيدي اختيار، وليس شهادة صلاحية.

وعدم الزواج ليس نقصاً، كما أن الزواج ليس شهادة نجاح.

وأتساءل هنا: ماذا كان سيقول بنكيران لفاطمة المرنيسي مثلاً؟

هل كان سيواجه هذه المرأة التي وصل صيتها إلى العالم بأفكارها وأبحاثها وكتبها، ليقول لها:

سيري تستري و تزوجي”؟ أو يبحث لها عن متطوع….

وماذا سيقول لكل هؤلاء المغربيات اللواتي تركن بصمتهن في الفكر والعلم والسياسة والثقافة والإعلام، ولم يكن نجاحهن مرتبطاً بوجود رجل في حياتهن؟

وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكبر من ميساء، وأكبر حتى من بنكيران نفسه:

أي صورة عن المرأة نريد أن نكرّسها في مجتمعنا؟

أنا لا أقول هذا دفاعًا عن ميساء، تبارك الله عليها، مرا وقادة، ولا لأنني أريد مهاجمة بنكيران.

بالعكس، له مني كل الاحترام والتقدير،

ما أريده هو أن نرتقي بالاختلاف، وأن نمنحه ما يستحقه من حوار ونقاش ومحاججة، بدل أن ننزلق به إلى الحياة الخاصة، أو نحول الاختلاف في الرأي إلى انتقاص من الأشخاص.

وبالمناسبة، ومن باب إخبار السي بنكيران:

أنا أيضًا لست متزوجة، وقد تجاوزت “سن الزواج” بكثير، كما قد تحب أن تسميه.

ولا حاجة لأن أشرح لك أن الأمر اختيار شخصي، ولا أن أقدم مرافعة عن حياتي الخاصة، ولا أن أبحث عن الأعذار أو المبررات.

لست أشعر بالنقص، ولا بالندم، ولا أعيش في انتظار رجل يأتي ليمنح حياتي المعنى الذي ينقصها.

حياتي لها معناها، وأنا من يمنحها هذا المعنى.

لذلك، يا سي بنكيران، لا تقلق كثيرًا على النساء غير المتزوجات.

نحن بخير.

 

Exit mobile version