حديث بسمة/ عزيزة حلاق
تجربة لافتة، صاحبتها تكتوكر اسمها جيهان كحل، تقدم محتوى لا يبحث عن المشاهدة بأي ثمن، بل اختارت أن تبحث عن المعنى.
وهنا تكمن جاذبية تجربتها: فهي لا تجعل الأدب بعيدًا أو متعاليًا، بل تجعله حميميًا، قابلًا للمشاركة، وقريبًا من الحياة اليومية. وفي زمن كثر فيه الادعاء، وسعى فيه البعض إلى أن يُقال عنهم إنهم “مثقفونّ” أو “قراء”، تقدم هي نموذجًا أنيقًا وهادئًا، يقول ببساطة إن المعرفة يمكن أن تكون جميلة، وإن الكتاب يمكن أن يجد طريقه إلى الشاشة، وإن الشاشة يمكن، بدورها، أن تعيدنا إلى الكتاب.
“The Sixth Bennet Sister”… الأخت السادسة لعائلة بينيت.
هكذا اختارت أن تعرّف بنفسها على صفحتها في فيسبوك. عبارة تبدو، للوهلة الأولى، مجرد تحية لعالم “جين أوستن”، لكنها في الحقيقة تقول الكثير عن صاحبتها. فمن يختار أن يكون، ولو تخيلًا وافتراضيًا، الأخت السادسة لعائلة بينيت، لا بد أن تكون له حكاية خاصة مع الكتب، ومع الشخصيات التي تسكن الروايات حتى بعد أن نغلق صفحاتها.
لكن المفارقة الجميلة أن هذه “الأخت السادسة” ليست خريجة الأدب، ولا قادمة من عالم الدراسات الإنسانية؛ إنها مهندسة، خريجة المدرسة المحمدية للمهندسين بالرباط. اختارت في دراستها عالمًا يقوم على الدقة والمنطق والحساب، واختارت في شغفها عالمًا آخر يقوم على الخيال والأسئلة والمشاعر.
هي لا تقدم نفسها باعتبارها ناقدة أدبية تتحدث من موقع الأستاذ إلى التلميذ، ولا باعتبارها “خبيرةّ تريد أن تفرض قراءتها على الآخرين. إنها قارئة تشارك قراءتها، وتأخذنا معها إلى الكتب من باب المحبة والفضول.
على قناتها، تصبح الرواية أكثر من عنوان واسم مؤلف وعدد من الصفحات. تلتقط منها مقتطفات قوية، جملة آسرة، فكرة تستحق التوقف، أو لحظة إنسانية تختصر شيئًا من روح العمل، ثم تقدم انطباعها عنها بطريقة تجعل المشاهد يريد أن يعرف أكثر.
وهنا تكمن موهبتها الحقيقية: أن تجعل الحديث عن الكتاب دعوة إلى قراءته، لا بديلًا عن القراءة.
لا تحرق الحكاية، ولا تسرد الرواية من ألفها إلى يائها، ولا تقتل فضول القارئ بكشف نهاياتها. إنها تترك دائمًا مساحة للكتاب كي يتكلم بنفسه.
في عالم رقمي يعلو فيه الصوت أحيانًا على القيمة، تختار هي طريقًا مختلفًا: الهدوء، الرصانة، واللطف.
هناك شيء محبب في حضورها، مبنى ومعنى. لا تحتاج إلى المبالغة كي تلفت الانتباه، ولا إلى لغة متعالية كي تبدو مثقفة. تختار كلماتها بعناية، وتعرف كيف تقدم فكرة أدبية بلغة مفهومة وقريبة، من دون أن تفرغها من عمقها.
ولعل أكثر ما يستوقف في حديثها عربيتها السليمة والتلقائية في الوقت نفسه. عربية لا تبدو مصطنعة، ولا متكلفة، ولا محملة بالرغبة في استعراض المعرفة. إنها عربية قارئة تعرف أن جمال اللغة ليس في الكلمات الصعبة، وإنما في الكلمة المناسبة في مكانها المناسب.
تتقن، إلى جانب العربية، الفرنسية والإنجليزية، بما يفتح أمامها نوافذ متعددة على الأدب والثقافات، ويمنح تجربتها اتساعًا يتجاوز حدود كتاب واحد أو لغة واحدة.
ليس سهلًا أن تجعل القراءة محتوى جذابًا على منصات التواصل الاجتماعي. فالمنصات الرقمية تكافئ السرعة، بينما يحتاج الكتاب إلى وقت. وهيمنة الصورة لا تبدو دائمًا صديقة للكلمة.
لكن جيهان تحاول أن تعكس المعادلة: تستخدم الشاشة كي تعيد الناس إلى الكتاب.
وهذا ربما هو أجمل ما يمكن أن يفعله صانع محتوى ثقافي.
فالمحتوى الثقافي الناجح ليس الذي يجعل المتلقي يكتفي بالمشاهدة، وإنما الذي يدفعه إلى فعل شيء بعدها: أن يبحث عن رواية، أن يسجل عنوانًا، أن يقتبس جملة، أو أن يذهب إلى المكتبة.
لهذا أحييها وأقول لها: استمري…واصلي.
نحن بحاجة إلى مثل هذا المحتوى. فحين نجد شابة تستخدم منصتها لتقربنا من الكتاب، فإنها لا تقدم محتوى فحسب… إنها تقوم بفعل ثقافي يستحق التقدير والدعم.
تابعوها، شجعوها، وشاركوا محتواها.
لأنها تستحق أن تُقرأ، كما تستحق كتبها أن تُقرأ. فلنمنحها بعضًا من الاهتمام الذي تمنحه هي للكتب، ولنمنح أنفسنا، معها، متعة اكتشاف كتاب جديد، ومتعة المعرفة، ومتعة أن تقودنا شاشة صغيرة إلى عوالم أكبر بكثير.
