انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

نادي_الملاك..صدق رشيد نيني… وكذب السياسيون..

بقلم: ميمونة الحاج داهي

لا تبلغ السياسة أقصى درجات اختلالها حين تحتج الشعوب، ولا حين تضعف الأحزاب، بل حين تتحول السياسة نفسها إلى “ملكية عائلية غير معلنة”، حين يصبح المنتخب مقتنعا، في قرارة نفسه، أن المقعد الذي وصل إليه ليس تفويضا شعبيا مؤقتا، وإنما أصل عائلي قابل للتوريث والتوسع والحماية.

هنا بالضبط نفهم لماذا تبدو بعض المناطق المغربية وكأنها تعيش خارج الزمن السياسي للدولة.

رشيد نيني حين كتب عن “دار الورثة”، كان يصف النتيجة. أما أصل المرض فأعمق بكثير.

المشكل ليس أن برلمانيا أدخل ابنته أو زوجته أو شقيقه إلى البرلمان، فهذه مجرد أعراض. المشكل الحقيقي أن جزءا من النخب المحلية أصبح يتعامل مع الدولة بمنطق “الوسيط الوريث”، أي ذلك الكائن الانتخابي الذي يعتقد أن استقرار المنطقة يمر عبر بقائه الشخصي، وأن الدولة لا يمكنها تدبير المجال بدونه.

وهذا أسوأ فيروس سياسي يمكن أن يصيب أي دولة حديثة.

لأن المنتخب هنا لا يعود مجرد فاعل سياسي، بل يتحول إلى مركز قوة موازٍ، يراكم النفوذ الاقتصادي والقبلي والانتخابي والإداري في الوقت نفسه، ثم يبدأ تدريجيا في إنتاج نوع من “الاحتلال الناعم” للمجال المحلي.

فتصبح الجماعة له، والأعيان له، والجمعيات له، والولاءات له، وأحيانا حتى صورة الدولة نفسها داخل المنطقة تمر عبره.

لهذا لا يجب قراءة ما يقع في بعض الأقاليم باعتباره مجرد صراع انتخابي عادي، ما يقع أكبر من ذلك بكثير.

في آسا الزاك مثلا، نحن أمام نموذج مكثف لما يمكن أن تنتجه الشبكات السياسية حين تحكم قبضتها على منافذ الشأن المحلي بكل فروعه، حتى الجذور.

المنطقة تعيش توترا إعلاميا غير مسبوق، شائعات، تصفيات، استقطاب، وحالة احتقان واضحة بدأت تنتج ردود أفعال غاضبة وصلت حد الصدام المباشر مع السلطات. ظاهريا يبدو الأمر مجرد صراع حول التزكيات أو المواقع، لكن في العمق هناك شيء آخر يتحرك، صراع بين من يريد إعادة توزيع النفوذ، ومنظومة محلية تعتبر أي تغيير تهديدا لبنيتها التاريخية.

وهنا تظهر المفارقة الخطيرة…

الدولة المغربية، منذ سنوات، تتحرك بمنطق تجديد النخب وربط المسؤولية بالكفاءة وإعادة هيكلة المجال الترابي، بينما بعض المنتخبين المحليين يتحركون بعقلية ما قبل الدولة؛ عقلية “أنا وبعدي أنا وصاحبي”.

وهذا التصادم بين منطق الدولة ومنطق الورثة هو ما ينتج الاحتقان الحقيقي.

يمكن أن يتولد شعور خطير لدى الشباب، ليس سببه الفقر، وإنما الإحساس بانسداد الأفق.

حين يقتنع الشاب أن السياسة مغلقة، وأن المقاعد موزعة مسبقا داخل شبكات القرابة والمصالح، فإنه يتحول من مواطن محتمل إلى كائن غاضب فاقد للثقة.

لهذا فبعض المناطق اليوم لا تعاني من أزمة تنمية فقط، بل من أزمة تنفس سياسي.

نفس الوجوه، نفس اللغة، نفس الشبكات، نفس أساليب التحكم، حتى صار التداول يبدو وكأنه تهديد للاستقرار، بينما الحقيقة أن غياب التداول هو التهديد نفسه.

الأنظمة الذكية لا تخاف من تغيير الوجوه، لأنها تفهم أن تجديد النخب جزء من حماية الدولة. أما حين يتحول المنتخب إلى “مالك سياسي” لمنطقته، فهنا تبدأ الدولة في خسارة معناها الرمزي داخل المجال المحلي، لأن المواطن يصبح مرتبطا بالأشخاص أكثر من المؤسسات، وهذا تحديدا ما يجب الانتباه إليه قبل فوات الأوان.

فالمغرب اليوم ليس في حاجة إلى برلمانات مليئة بالألقاب العائلية، بقدر حاجته إلى نخب قادرة على إعادة بناء الثقة.

ولأن الدولة تفهم جيدا حساسية بعض المناطق، فإن الإبقاء على نفس البنيات الانتخابية المستهلكة قد لا ينتج الاستقرار الذي يعتقده البعض، وإنما قد ينتج شيئا أشد… غضب مؤجل يتراكم بصمت إلى أن يجد لحظته المناسبة.

السياسة ليست إرثا عائليا، وإذا تحولت إلى ذلك، فإننا لا نكون أمام ديمقراطية، وإنما أمام إعادة إنتاج مقنعة للإقطاع… بربطات عنق وطرابيش ودراعي وشعارات حزبية.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا