جدلية الفلسفة والفن

مقتطف من نص مترجم تحت عنوان “مرآة الروح والفكر: الصلة الوثيقة بين الفلسفة والفن” للكاتبين بكاج رشيد و اسوناتا لوشانتي.
إن العلاقة بين الفلسفة والفن قديمة قدم الفكر الغربي. ولعدة قرون، نُظر إلى هذين المجالين كخطين متوازيين: الفلسفة باعتبارها مجال اللغوس (العقل، المفهوم) والفن باعتباره مجال الأيسيتسيس (الإحساس، المظهر). إلا أن هذا التمييز وهمي. فالفن ليس مجرد زخرفة، بل هو شكل من أشكال المعرفة؛ والفلسفة ليست مجرد تجريد، بل هي محاولة لفهم جمال الوجود ومأساته. ومع دلك لابد من بناء اطروحة تهدف إلى استكشاف هذه “الحدود المتغيرة “بينهما، ودلك من خلال تحليل كيف فرضت الأنظمة الفلسفية قواعد الإبداع الفني، وكيف أجبر العمل الفني، بالمقابل، الفلسفة على إعادة النظر في حدودها.
أثر الفلسفة على الفن
بالنسبة لأفلاطون الفن هو محاكاة للمحاكاة. لدلك ادان أفلاطون الفن ضداعلى أرسطو ووصفه بأنه “نسخة من نسخة”، وهكذا نُظر إلى الفن لقرون على أنه محاكاة (تقليد). فادا كان العالم المحسوس نسخة ناقصة من المُثُل، فإن الفن، الذي يُحاكي العالم، يُبعد نفسه عن الحقيقة ثلاثة أضعاف. ومن تمت كانت رؤية افلاطون. حيث أثرت هذه الاخيرة على فكرة أن الفن يجب أن يكون “تعليميًا” أو “أخلاقيًا” ليُبرر وجوده. في المقابل دافع عنه أرسطو باعتباره تطهيرًا. وقد أثر هذا على جميع الفنون الكلاسيكية وفنون عصر النهضة، في كتابه “فن الشعر” يُقدم أرسطو مفهوم التطهير. فالفن لا يُبعدنا عن الحقيقة، بل يسمح لنا بتجسيد عواطفنا. وقد حوّلت هذه الفلسفة الفن (وخاصة المسرح، ثم الرسم لاحقًا) إلى أداة للبحث النفسي والاجتماعي، وهي أداة هيمنت على عصر النهضة، حيث نُظر إلى الكمال الشكلي على أنه انعكاس للنظام الإلهي.
لكن إيمانويل كانط الدي يُعدّ نقطة تحوّل حقيقية في العصر الحديث في كتابه “نقد الحكم”، قدم مفهوم “الجمال” باعتباره متعة مجردة. حيث يُبيّن كانط أن الجمال ليس صفة للشيء، بل هو شعورٌ لدى الذات. وعليه يصبح الفن “غاية بلا هدف”: فهو لا يخدم أي غرض عملي، بل يُعلي الروح. هدا الطرح كان له تأثير على الفن مدمراً ورائعاً في آنٍ واحد: فقد وُلدت شخصية العبقري. ولم يعد الفنان مجرد حرفي يتبع القواعد، بل هو من يُضفي “القاعدة على الفن” من خلال إلهامه. لولا فلسفة كانط، لما كان لدينا الرومانسية، ولا فكرة الفنان المُعذّب الذي يُعبّر عن اللانهائي من خلال المحدود.
ولان الفلسفة تتطور بفلاسفتها فقد جاءت ردة فعل هيغل ضمن “موت الفن” كنبوءة حيث جادل هيغل بأن الفن، في العالم الحديث، أصبح من الماضي. ليس لأن الأعمال الفنية لم تعد تُخلق، بل لأن الفن لم يعد الوسيلة الأمثل التي يُعبّر بها الروح عن الحقيقة (التي أصبحت الآن من اختصاص الفلسفة). مهدت هذه الفكرة الطريق لحركات الطليعة في القرن العشرين. فإذا لم يعد الفن مُلزماً بـ”تمثيل الحقيقة”، فإنه يُمكن أن يصبح تجريدياً، أو مفاهيمياً، أو حتى استفزازياً. الفن المعاصر هو نتاج الفلسفة الهيغلية: إنه فن يتأمل ذاته ليصبح هو نفسه “فلسفة.“بصرية
لكن السؤال المطروح هو كيف غيّر الفن الفلسفة؟
هنا ينقلب المنظور، ليس الفن هو الذي يتبع الفلسفة، بل الفلسفة هي التي تتعلم من الفن. يرى فريدريك نيتشه أن الفلسفة السقراطية (العقلانية) قد جففت الحياة. وحده الفن، من خلال الروح الديونيوسية (الفوضى، الموسيقى، النشوة)، قادر على إنقاذ الإنسان من العدمية. الفن هو “حافز الحياة”. اما مارتن هايدغر في مقالته “أصل العمل الفني”، يكتب على أن الفن هو “تطبيق الحقيقة عمليًا”. لا تقتصر لوحة فان جوخ على تصوير الأحذية فحسب، بل تكشف أيضًا عن عالم الفلاحين وجوهر الأشياء. هنا، يصبح الفن أداة معرفية متفوقة على المنطق. على ان والتر بنيامين يعتبر على ان الفلسفة مع ظهور التصوير الفوتوغرافي والسينما، اضطرت إلى إعادة النظر في مفهوم “التفرد” (الهالة). حيث أجبر الفن الفلسفة على الاهتمام بالسياسة والجماهير.
وضمن هده الصيرورة المعقدة لتاريخ الفلسفة وعلاقتها بالفن يرى مارتن هايدغر أن الفن هو المكان الذي “تُطبَّق فيه الحقيقة عمليًا”. ويشرح هايدغر، في تحليله للوحة فان جوخ (زوج من الأحذية)، أن العمل لا يُظهر لنا مجرد شيء مادي، بل يفتح أمامنا عالمًا كاملًا (كدح الحقول، وقدسية الأرض). لقد أثّر الفن في الفلسفة، مُجبرًا المفكرين على إدراك أن اللغة الشعرية والبصرية قادرة على الوصول إلى ما يعجز عنه المنطق الصوري. فالعمل الفني “يفتح” الوجود، جاعلًا الفلسفة شكلًا من أشكال الإصغاء لا مجرد التحليل.
غيران في القرن العشرين وما بعد الحداثة مع مدرسة فرانكفورت التي قدمت اطروحة الفن كمقاومة نجد ان مفكريها مثل أدورنو وبنيامين استخدموا.
الفن للتأمل في المجتمع الجماهيري. فقد غيّر والتر بنيامين، بمقالته “الاستنساخ التقني”، فلسفة الثقافة بتحليله لكيفية تدمير التصوير الفوتوغرافي والسينما “هالة” العمل الفني. لم يعد الفن هنا مجرد عنصر جمالي، بل أصبح بمثابة “جرس إنذار” سياسي. تستلهم الفلسفة من الفن لتفسير التغيرات الاجتماعية، إذ ترى في أشكال التعبير الجديدة خطر الاغتراب وإمكانية التحرر في آنٍ واحد. “قضت” الفلسفة على الجماليات البصرية. بعد صناديق بريلو لأندي وارهول، أصبح الفن فلسفة خالصة: لم يعد المهم أن يكون الشيء جميلًا، بل المهم هي الفكرة الكامنة وراءه.



