أمينة غريب وحليمة يعقوب:امرأتان، دولتان، ومعجزة حكم

ليست المعجزة أن تصل امرأة إلى السلطة، بل أن تصل وهي تحمل معها قيم العمل، والعدالة، وخدمة الإنسان. في هذا السياق، تبرز تجربتان لامرأتين مسلمتين استطاعتا، كلٌّ في بلدها، أن تُحوِّلا السيرة الشخصية المتواضعة إلى رمز وطني مُلهم: حليمة يعقوب في سنغافورة، وأمينة غريب- فقيم في موريشيوس.
حليمة يعقوب… من بدايات بسيطة إلى رأس الدولة
وُلدت حليمة يعقوب في بيئة متواضعة، وشقّت طريقها بالعلم والعمل العام والنقابي، قبل أن تدخل السياسة من باب الدفاع عن الفئات الهشّة. بعد تخرّجها من الجامعة وزواجها، بدأت حياتها في ظروف عادية جدًا، بلا ثروة ولا نفوذ، سوى الإيمان بالعمل الجاد والطموح المستمر.
تدرّجت في المسؤوليات: من العمل الاجتماعي، إلى البرلمان، ثم رئاسة البرلمان، قبل أن تُنتخب رئيسة لسنغافورة. في بلد يُعدّ اليوم من أكثر دول العالم انضباطًا وحكامة، لم تكن القيادة منصبًا تشريفيًا، بل التزامًا أخلاقيًا بخدمة الناس.
تصنف سنغافورة تُصنَّف ضمن الاقتصادات الأكثر تنافسية في العالم، بفضل سياسات صارمة ضد الفساد، واستثمار ذكي في الإنسان، وبنية تحتية متقدمة، وتعليم عالي الجودة. تجربة حليمة يعقوب جاءت متسقة مع هذا النموذج: قيادة هادئة، شفافية، وتركيز على تحسين مستوى المعيشة عدالة اجتماعية ومحاربة الفساد.
أمينة غريب-فقيم… العِلم طريقًا إلى الرئاسة

في جزيرة موريشيوس، برز اسم أمينة غريب-فقيم، العالِمة المتخصصة في علم الأحياء والكيمياء النباتية، والتي وصلت إلى منصب رئيسة الجمهورية قادمةً من المختبر والجامعة، لا من دهاليز السياسة.
آمنت أمينة بأن المعرفة قوة سيادية، وأن الدول الصغيرة تستطيع أن تبني مكانتها عبر التعليم والبحث العلمي. خلال مسيرتها، دافعت عن تمكين المرأة، وربط السياسات العمومية بالعلم، وجعل الكفاءة معيارًا أساسيًا للمسؤولية.
موريشيوس تُقدَّم اليوم كنموذج إفريقي ناجح في التعليم والصحة والحكامة، حيث الاستثمار في الإنسان هو الثروة الحقيقية. تجربة أمينة غريب أكدت أن العِلم يمكن أن يكون جسرًا للحكم الرشيد.
قواسم مشتركة… واختلاف مُلهم
رغم اختلاف السياقين، تجمع التجربتين خيوط واضحة:
البدايات المتواضعة لا تمنع الوصول إلى القمة.
الالتزام الأخلاقي أساس القيادة المستدامة.
ماذا تعرف عن موريشيوس؟
موريشيوس دولة إفريقية صغيرة، نجحت في بناء نموذج تنموي قائم على الإنسان قبل الموارد. توفر تعليمًا مجانيًا حتى نهاية المرحلة الجامعية، مع نقل مدرسي ممول من الدولة، باعتبار التعليم حقًا وخدمة عمومية لا سلعة. كما تضمن رعاية صحية مجانية شاملة لمواطنيها، تشمل حتى العمليات الجراحية المكلفة.
يتمتع نحو 90% من المواطنين بملكية مساكنهم، دون أزمات تشرد أو ارتفاع خانق في أسعار الأراضي. بلغ دخل الفرد حوالي 19,600 دولار دون ادعاءات أو تباهٍ، رغم أن البلاد تُعد من أغنى الدول الإفريقية، مع غياب الموارد الطبيعية؛ إذ تعتمد على تنمية الإنسان، والزراعة المُصنَّعة، والسياحة.
تحظى الصحة والتعليم والخدمات بالأولوية في الميزانية، بينما يأتي الإنفاق العسكري هامشيًا. قادت د. أمينة غريب فقيم، البلاد إلى هذا المستوى، وقد قالت: “اختارتني السياسة ولم أخترها”. ورغم أن المسلمين يشكلون 17% فقط من السكان، اختارها الشعب رئيسة في مجتمع متعايش يتجاوز الانقسامات الدينية.
هذا التعريف رسالة تربوية عميقة، تختزل حقيقة مفادها أن انهيار الأمم لا يبدأ من الحروب، بل من تخريب التعليم والتسامح مع الغش والفساد، فحين يُشرعن الغش يفسد الطب، وتنهار الهندسة، ويختل الاقتصاد، ويضيع العدل، ويُقوَّض مستقبل الأجيال من جذوره.
ماذا تعرف عن سنغافورة؟

سنغافورة دولة صغيرة في جنوب شرق آسيا، تحوّلت خلال عقود قليلة من ميناء فقير إلى واحدة من أقوى الاقتصادات العالمية. لا تمتلك موارد طبيعية تُذكر، لكن نجاحها قام على الاستثمار في الإنسان، التعليم الصارم، محاربة الفساد، وسيادة القانون.
تُعرف سنغافورة بجودة التعليم، وكفاءة الإدارة، ونظام صحي متقدم، وبنية تحتية عالية المستوى، واقتصاد قائم على الابتكار، الصناعة المتقدمة، الخدمات المالية، والتجارة الدولية. كما تُعد من أكثر الدول أمانًا وانضباطًا في العالم.
تعتبر حليمة يعقوب شخصية محورية في التجربة السنغافورية الحديثة. شغلت منصب رئيسة سنغافورة (2017–2023)، وكانت أول امرأة وأول رئيسة من أصول ملايوية مسلمة تتولى هذا المنصب.
عُرفت بمسارها المهني في الدفاع عن حقوق العمال والعدالة الاجتماعية، قبل توليها مناصب سياسية عليا. لعبت دورًا رمزيًا ومؤسسيًا مهمًا في تعزيز التعايش العرقي والديني داخل مجتمع متعدد الثقافات. ركز خطابها ومبادراتها على الوحدة الوطنية، تكافؤ الفرص، وحماية الفئات الهشة، مع الحفاظ على صورة سنغافورة كدولة قانون ومؤسسات. وشكّل وجودها في رئاسة الدولة رسالة واضحة مفادها أن الكفاءة والنزاهة تتقدمان على العرق والدين في بناء الدولة الحديثة. وقد كرّست سنغافورة نموذجًا لدولة صنعت قوتها بالإنسان والانضباط، فيما نجحت حليمة يعقوب في تجسيد هذا النموذج سياسيًا وأخلاقيًا، مؤكدة أن القيادة الحقة يمكن أن تكون جامعة، عادلة، وعابرة للهويات الضيقة.
خلاصة:
رغم مغادرتهما الحكم، تركت كلٌّ من أمينة غريب فقيم وحليمة يعقوب بصمةً ولايتهما واضحة في بناء وطنٍ قوي، قائم على الإنسان والكفاءة والنزاهة. وتجربتاهما تؤكدان أن المرأة، حين تُسند إليها المسؤولية، لا تحكم فقط، بل تُلهم، وتُرسّخ القيم، وتُثبت أن القيادة الحقة فعل بناءٍ طويل الأمد، لا مجرد بقاء في السلطة.



