انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
نساء ملهمات

أغاثا كريستي… سيدة الغموض التي أعادت ابتكار الجريمة الأدبية

لم تكن أغاثا كريستي مجرد كاتبة روايات بوليسية، بل ظاهرة أدبية عالمية استطاعت أن تحوّل الجريمة إلى لغز ذهني راقٍ، وأن تجعل من القراءة لعبة ذكاء لا تقل تشويقًا عن أعتى المغامرات. هي المرأة التي كتبت الخوف بهدوء، وبنت التوتر دون صراخ، وتركت للقارئ متعة الاكتشاف بدل صدمة النهاية.

وُلدت أغاثا كريستي سنة 1890 في إنجلترا، ونشأت في بيئة شجّعتها على القراءة والخيال منذ الطفولة. دخلت عالم الكتابة في زمن لم يكن فيه حضور النساء في الأدب البوليسي أمرًا مألوفًا، لكنها سرعان ما قلبت المعادلة، لتصبح الاسم الأكثر شهرة وتأثيرًا في هذا النوع الأدبي.

بدأت أغاثا كتابة الشعر والقصص القصيرة منذ الصغر، ومارست المسرح وهي ما تزال طفلة، وجربت أيضا الغناء وحاولت أن تنضم إلى فرقة أوبرا في نيويورك.

وفي عام 1901 عكر الحزن طفولتها، وتوفي والدها بسكتة قلبية وهي في الحادية عشرة من عمرها، وعاشت بعده هي وأسرتها ظروفا صعبة.

بعد سنوات قليلة انتقلت إلى العاصمة الفرنسية باريس بغرض دراسة الموسيقى والغناء وتعلم العزف على البيانو، لكن لم يطل بها المقام هناك لأن معلميها حكموا على أدائها بالفشل ونصحوها باختيار سبيل آخر.

تزوجت عام 1914 العقيد أرشيبالد كريستي، وهو طيار سلاح كان حديث التعيين في الطيران الملكي البريطاني، وبينما كان هو في الجبهة في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، تطوعت هي في أحد المستشفيات ممرضة لتداوي الجرحى.

كما اشتغلت أيضا صيدلانية، وتعلمت الكثير عن السموم والمواد الكيميائية وصناعة الأدوية، وهو ما ساعدها لاحقا في نسج أحداث كثير من رواياتها، و”استخدام السموم” في جرائم القتل التي صورتها.

وبعد نهاية الحرب العالمية، تدهورت العلاقة بينها وبين زوجها، وخاصة بعد موت والدتها عام 1926، حيث اعتبر أنها بالغت في الحزن عليها، وأن ذلك أثر على حياتهما وحياة أسرتهما.

ومما دمر العلاقة أيضا بين أغاثا وأرشيبالد أنه أغرم بامرأة أخرى تدعى نانسي نيل، وبدأ يخونها معها، وهو ما طعن في كرامتها فردت عليه بحادث غريب كثرت بشأنه التأويلات، وبقي غامضا إلى اليوم. ويتعلق الأمر باختفائها المفاجئ لمدة 11 يوما كاملة.

يُعدّ اختفاء أغاثا كريستي سنة 1926 واحدًا من أكثر الأحداث غموضًا في حياتها، ويكاد يكون قصة جريمة حقيقية خرجت من عالم رواياتها. فقد اختفت الكاتبة الشهيرة في ذروة أزمتها الشخصية الحادة، بعد خيانة زوجها، ووسط حزن عميق على وفاة والدتها.

أثار اختفاؤها ذعرًا واسعًا في بريطانيا، وشاركت آلاف عناصر الشرطة والمتطوعين في البحث عنها، بينما تصدّرت القضية عناوين الصحف، وانهالت الفرضيات: انتحار، جريمة قتل، حادث، أو حتى خطة مدروسة لإثارة الانتباه.

عُثر على سيارتها مهجورة قرب بحيرة، ما زاد الغموض، قبل أن يتعرف أحد عمّال فندق في يوركشاير على امرأة تشبه الروائية المفقودة. وعند استدعاء الشرطة وزوجها، تبيّن أنها أغاثا كريستي فعلًا، لكنها كانت تعاني فقدانًا جزئيًا للذاكرة، لا تتعرف على نفسها ولا على زوجها.

زاد من تأويلات الحادث أنها سجّلت دخولها إلى الفندق باسم نانسي نيل، عشيقة زوجها، ما اعتبره كثيرون فعلًا رمزيًا، وردة فعل نفسية معقّدة على الخيانة والفقد. وبقيت أغاثا كريستي صامتة تقريبًا حول ما حدث، ليظل اختفاؤها لغزًا مفتوحًا، يعكس قدرتها الاستثنائية على صناعة التشويق… حتى في حياتها الخاصة.

تميّزت كريستي بقدرتها الفريدة على حبك الحبكات المعقّدة دون الوقوع في التعقيد الممل. كانت جرائمها محكومة بمنطق داخلي صارم، وشخصياتها مرسومة بعناية نفسية واجتماعية لافتة. لم تعتمد على العنف المفرط، بل على الذكاء، وعلى تلك اللحظة التي يدرك فيها القارئ أنه كان يرى الحقيقة طوال الوقت… دون أن ينتبه.

ابتكرت شخصيتين ستبقيان خالدتين في ذاكرة الأدب:

هيركيول بوارو، المحقق البلجيكي ذو الشاربين والذهن الرياضي، الذي يؤمن بأن «الخلايا الرمادية» هي سلاحه الأقوى،

والآنسة ماربل، العجوز الهادئة التي تخفي خلف بساطتها قدرة مذهلة على تفكيك أكثر الجرائم تعقيدًا، مثبتة أن الحكمة لا تحتاج إلى قوة ولا إلى استعراض.

لم تكن روايات أغاثا كريستي مجرد قصص جريمة، بل مرايا للمجتمع البريطاني في تحوّلاته الطبقية والأخلاقية. كتبت عن الطمع، والغيرة، والخيانة، وعن هشاشة القيم حين تُختبر، لكنها فعلت ذلك بلغة رصينة وبأسلوب يحترم عقل القارئ.

أعمال مثل “جريمة في قطار الشرق السريع”، “ثم لم يبقَ أحد”، و”موت على النيل” لم تتحول فقط إلى كلاسيكيات أدبية، بل إلى أعمال سينمائية ومسرحية أعادت إنتاج سحرها لأجيال متعاقبة، مؤكدة عالمية نصوصها وقدرتها على العبور بين الثقافات.

رغم نجاحها الأسطوري، ظلت أغاثا كريستي شخصية متواضعة، ترى نفسها صانعة حكايات قبل أن تكون نجمة أدبية. كتبت أكثر من 80 رواية، تُرجمت إلى عشرات اللغات، وتجاوزت مبيعات كتبها ملياري نسخة، لتصبح الكاتبة الأكثر قراءة في التاريخ بعد شكسبير.

وبخلاف حادث اختفائها، لم تكن وفاتها غامضة ولا مثيرة للجدل، بل جاءت هادئة وبعيدة عن الأضواء، على عكس ما حفلت به حياتها من أسرار.

توفيت أغاثا كريستي في 12 يناير 1976 عن عمر ناهز 85 عامًا، في منزلها الريفي بمدينة وولينغفورد جنوب إنجلترا. وأُعلن رسميًا أن سبب الوفاة هو تقدّمها في السن ومضاعفات صحية طبيعية، بعد معاناة مع اعتلال في الصحة خلال سنواتها الأخيرة.

دُفنت في مقبرة كنيسة سانت ماري القريبة من منزلها، في جنازة بسيطة حضرها أفراد العائلة وأصدقاء مقرّبون، بعيدًا عن أي طابع استعراضي. ورغم أن بعض القراءات اللاحقة حاولت الربط بين نهايتها الهادئة وبين العوالم القاتمة التي كتبت عنها، فإن حياتها أُغلقت بلا لغز، تاركةً الألغاز على صفحات كتبها فقط.

هكذا، انتهت حياة “ملكة الجريمة” بهدوء، بينما ظل اسمها حيًّا، يُعاد اكتشافه مع كل جريمة متخيلة، وكل قارئ جديد.

في ركن “نساء ملهمات”، تحضر أغاثا كريستي بوصفها نموذجًا لامرأة آمنت بموهبتها، واقتحمت مجالًا صعبًا، وغيّرته إلى الأبد.

استحقت لقب سيدة الغموض التي لم تحلّ الجرائم فقط، بل كسرت الصور النمطية، وأثبتت أن الإبداع النسائي قادر على قيادة أكثر الأنواع الأدبية تعقيدًا وذكورية بامتياز.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا