انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
ثقافة وفنون

من يُكمل وجه الجنرال؟

بقلم: الناقد عبد الكريم أوشاشا

تفاعلًا مع الورقة التي نشرتها أمس حول رواية الكاتب المغربي عبد الكريم الجويطي من يُكمل وجه الجنرال؟،

توصلتُ هذا الصباح من الأستاذ الناقد عبد الكريم أوشاشا، الذي قدّم نفسه تواضعا قارئًا وكفى، بهذه الورقة، فآثرتُ نشرها كما وردتني، لقيمتها النقدية وعمق قراءتها الجيدة للرواية..

______________

قراءة أولى سريعة لهذه الرواية الحدث.

ولي عودة أخرى إليها، إذ أعتبرها – كقارئ متواضع- رواية عالمية، تنتزع مكانتها بكل استحقاق روائي إلى جانب أعمال كبرى مثل خريف البطريرك وحفلة التيس.

لماذا أعتبرها كذلك؟

لأنها رواية تخييلية أصيلة، محلية أولًا وأخيرًا.

وأدعو الذين يبحثون عن التاريخ داخل الرواية إلى الكفّ عن ذلك،

فهم – من حيث لا يدرون – يسيئون إلى جنس الرواية.

———————–

قراءة نقدية في “من يُكمل وجه الجنرال”؟

حين يصبح الجبل شاهدًا: عن الوهم والسلطة في رواية الجويطي

كانت آخر كلمة لفظها الجنرال الروسي سيرغي كاساروف، مخطوفًا ومُسَرْنَمًا، قبل أن يشهق شهقة الموت، هي كلمة “ماسيس”، وتعني بالأرمينية، كما ورد في الرواية، الجبل الكبير.

إنه الجبل الكبير؛ من تاصميت إلى جبال خنيفرة، ومن واويزغت إلى جبال أيت بوكماز وأيت بوولي وماكدز…

بهذا، يكون الروائي المغربي عبد الكريم الجويطي، وخصوصًا في الفصل الأخّاذ والساحر «البغل الروسي أو من بلاط القيصر إلى أيت بوولي»، ومن خلال نحته لشخصية حادة، المرأة الأمازيغية القوية والحرة، قد منح الجبل صوتًا داخل الديمقراطية الأدبية، عن جدارة وأصالة ودهشة روائية عظيمة.

الجبل هنا ليس جغرافيا فقط، بل أمكنة ووجهات نظر هامشية؛

وجهات نظر وشخصيات بتفردها وامتزاجاتها واختمارها، يسد الأدب الرسمي والكولونيالي كل الطرق في وجهها، ويختزلها في واجهة سياحية فولكلورية، أو أهازيج تُلقى بحماس في حفلات عيد العرش وعيد الشباب.

منذ بداية الرواية، يدسّ لنا السارد خفية، دون أن نشعر، دودةً كبيرة داخل أرواحنا…

إنها دودة الشك والريبة، بحراشفها وقشرتها المسنونة، تتقلب وتوجعنا، فتصير كل قناعاتنا وأوهامنا بيوتَ عنكبوتٍ واهية وزائفة:

(سرمد هو اليقين الوحيد المتبقي في حياتي).

من ثورة لالة طوطو الغمارية — تلك التحفة من تحف خلائق الأرض وعجائب الكون — التي ادّعى زايد السحّار أنه قضى عشرين سنة يبحث عنها، لا يتبقى في حقيقتها سوى فروة وفراغ، يروّضه زايد ليجبره على أن يلد كل هذا البذخ في الحيلة والتحايل.

زايد، بائع الوهم الكبير، سمسار الهباء، هو نفسه بأقنعته المختلفة والمنقشعة، وراء ثورة يقودها جنرال ميت، وداخل تنظيمات سياسية يرتع فيها ويُسممها «المناضل الصغير» بأحلامه الخاصة.

وعلى غرار «الإنسان الصغير» الذي وصفه فيلهلم رايش، يرى المناضل الصغير العالم من ثقب ذاته، ويمكنه أن يقوّض البنيان في لحظة حسد أو جبن أو طمع أو تقدير خاطئ.

إنه يرى نجاحات رفاقه اعتداءً عليه ومسًّا خطيرًا بأمنه النفسي وتوازنه.

المناضل الصغير نمّام، شتّام، فاجر في الخصومة لأتفه الأسباب؛ يعرف من المفكرين أسماءهم، ومن الكتب عناوينها، ويجادلك ويفحمك بزاده الصغير الملتقط من هنا وهناك، بلا جهد.

وإذا كان الرسام الأرمني أفديس ماسيس قد جذبته فكرة الأثر غير المكتمل، فإن السارد بدوره قدّم لنا شخصيات مفتوحة، لكن بصورة مكثفة، وبسخرية مُرّة كالحنظل، ومِبضعٍ حادّ لرصد نظام تحجبه البشاعة والعبثية، واستكشاف الهاوية التي تقبع فيها الحضارة الصرصارية، وتفكيك أجهزة الإيمان الجمعي، والوهم حول الذات والعالم.

(نحن رعاة، يا رفيقي، أرواحنا أرواح رعاة. يعجبنا التكوم في الجلاليب، وفرك الخصيتين، وتدلية الأرجل، والانتظار متكئين على الحيطان أو متفيئين ظلال الأشجار نزول الأمطار).

كلما توغلنا في المياه الجوفية للرواية، التقينا بشخصيات نعرفها ولا نتعرف عليها في آن؛

شخصيات غير جاهزة لأنها، أولًا وأخيرًا، شخصيات روائية يغمرها السؤال ويضنيها القلق: الفقيه، الجنرال الدموي صاحب النظارة السوداء والسكين الصغير، الممرض “الغوريلا”، الدينامو الزعيم حارث الغمام، ورجل الجب…

وما حكاه حارث الغمام، أو رجل الجب، لوحة مرعبة حية لإحدى الحدائق الخلفية للنظام، وشهادة عن التعذيب والمعتقلات السرية، أو ما يسمى بالاختفاء القسري، تضاهي في عمقها وألمها ما كتبه الإسباني خورخي سمبرون، والفرنسي بريمو ليفي، والهنغاري إيمري كيرتيس.

تلك الكتابات التي استطاعت تحويل التجربة إلى وعي (Transformer l’expérience en conscience)، أو كما كتب ريجي دوبري في تقديمه لكتاب Exercices de survie لخورخي سمبرون: تلك المزاوجة بين الحميمية والصخب، العنف والرعب.

إنه زمن غامض، مليء بآلام لا يمكن تصورها؛ زمن كهفي راكد، سيخرج منه إنسان مسحوق بالعزلة والظلام والقذارة والجوع… ويخرج معه الوحش الذي يعيش بيننا، بمخالبه وأنيابه وأعينه المحمرة، ليمضي بالتوحش نحو ما لا يمكن تخيله.

هنا، الزمن مغاير في جريانه للزمن الذي نولد ونعيش ونموت فيه؛

زمن متخيل، مثل السارد والأحداث والشخصيات.

فالزمن الواقعي زمن الفوضى، بينما زمن الرواية محاولة لمواجهة هذه الفوضى والضياع والبربرية، وتأمل عميق في الشرط الإنساني.

الروايات العظيمة – كما سجل ماريو فارغاس يوسا – لا تغني ثقافتنا فقط، بل تلج إلى حياتنا، وتغير إحساسنا بالزمن وبالتاريخ الفردي والجمعي.

الأدب بيان دائم عن الثورة والانتفاض ضد النظام، بل ضد نظام العالم نفسه.

لذلك، فالرواية هي الجنس الأدبي الأكثر تعرضًا للرقابة والمنع؛

فالمستبدون، دينيون كانوا أم سياسيين، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يسعون إلى خنق الخيال، لأنهم يدركون خطر الرواية على وجودهم.

وهم، في هذا، ليسوا مخطئين؛ فالمجتمعات المحرومة من أدب حقيقي سهلة الانقياد، مطيعة، بلا خيال ولا حس نقدي، تحتمل الطغيان بقدر وصبر واستسلام.

جحيم المعتقلات السرية، كما وصفه رجل الجب، ليس جحيمًا جسديًا فقط، بل جحيمًا سيكولوجيًا منهجيًا صُمم ببرودة لتدمير الإنسان.

وخلاصة شهادته تلتقي مع ما طرحه بريمو ليفي في Si c’est un homme:

ما الذي يحدد إنسانيتنا؟ وكيف نحافظ عليها في مواجهة الهمجية؟

بهذا المعنى، تتجاوز الشهادة بعدها التاريخي لتغدو مرآةً تقلقنا وتقض مضاجعنا، في عالم لا تزال فيه آليات الكراهية والتجرد من الإنسانية واللامبالاة قائمة.

الرعب في شهادة رجل الجب رعب لا يصرخ؛

رعب خام، عارٍ من أي تزويق أسلوبي.

وهنا نستعيد قول بورديو: إنها حقيقة، لو قيلت بطريقة أخرى، لكانت مزعجة لا تُطاق.

الجويطي، الملالي الجبلي، سجين كبير للأدب؛ يموت مائة مرة من أجل كلمة مناسبة، ممهورة بتوقيعه، أو  بلغة الرواية.

(هناك جهد في قول أشياء نافذة يعادل جهد امرأة في مخاض صعب).

في هذه الرواية المدهشة، يشبه الجويطي ما رآه السارد في سليمان الفحّام من طاقة داخلية:

يجلس بجلال في كرسيه، كأنه يشرف من علٍ على مملكة الله، يتابع ممالك النمل، نبيٌّ ألمّ بلغات الكائنات، رقّ لأنين الهوام، وقرأ رسائل الريح، وسمع إفادة الهدهد.

كتابة مسكوكة بجهد فلوبيري جبار، بحثًا عن الكلمة الدقيقة (Le mot juste)؛ كتابة تُصاغ في المحك، على وشك الانفجار من شكلها المألوف، صقيلة كشذرات، تجعل القارئ يلمس الوقائع ويحلم بجمال مستحيل:

(كسرة الخبز تملأ بطني فقط، أما الحكاية الكاملة فتملأ نقص العالم من حولي).

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا