انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
ضيف بسمة

فاطنة.. امرأة اسمها رشيد..

بسمة نسائية/ عزيزة حلاق

صور: زليخة

  ضيفة بسمة..فاطنة البيه: الأمومة الكلمة التي صالحتني مع الحياة

في الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، خُصِّصت إحدى أمسيات فقرة “آفاق” لعرض فيلم وثائقي يحمل عنوان “فاطنة… امرأة اسمها رشيد” بحضور المخرجة الفرنسية إيلين هاردير.

تابعنا هذا الفيلم الذي يمزج بين الوثائقي والروائي، بكثير من الحنين المشوب بالألم، نوستالجيا زمن الحلم الطلابي الكبير، زمن كان فيه الإيمان بالتغيير فعلَ حياة لا شعارًا. فيلم يبعث رسائل واضحة إلى شباب اليوم، مستعيدًا ما عاناه جيل السبعينيات في مساره الشاق نحو مغرب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

يرتكز العمل على قصة مقتبسة من سيرة المناضلة المغربية فاطنة البيه، التي تقاسمت مع مناضلات ومناضلين آخرين تجربة الاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب خلال ما يُعرف بـ “سنوات الرصاص”. ويستمد الفيلم عنوانه من الاسم المستعار “رشيد” الذي أطلقه عليها حراس السجن، في محاولة لطمس هويتها، لكنه يتحول هنا إلى رمز مقاومة وصمود.

يوثّق الفيلم حياتها الشخصية والسياسية بين الماضي والحاضر، كاشفًا عن امرأة لم تنكسر رغم القمع، وظل نضالها من أجل العدالة والمساواة ممتدًا إلى اليوم، حيث نجدها حاضرة في محطات نضالية متعددة، شاهدة وفاعلة في آن واحد..

التقينا بها في مراكش، ثم في الرباط، بمناسبة العرض الأول للفيلم الوثائقي “ظل النسا”. وكان من الطبيعي أن نفتح معها دفاتر هذا الماضي الثقيل، لا من باب اجترار الذاكرة فقط، بل من أجل مساءلة الحاضر واستشراف المستقبل. والتقرب أكثر من فاطنة الانسانة وفاطنة الأنثى/ المرأة والأم…

فكان هذا الحوار:

 أعود معكِ في البداية، إلى تلك الطفلة فاطنة، التي كنتِها قبل أن يتغير كل شيء. حين تستدعين صورتها الآن، ما أول ما يظهر في الذاكرة؟ هل تشعرين أن تلك البدايات كانت تهيئك، بشكل ما، للمنعطف الذي ستدخلينه لاحقًا؟  ومتى كانت الشرارة الأولى التي أيقظت وعيكِ بالقضية النسائية وبحقوق الإنسان عامة؟

*فاطنة عاشت طفولة ميزها حضور الأب بشكل قوي في حياة بناته، كان رجلا فقد والديه وهو رضيع، وتربى على يد أختيه اللواتي يكبرنه بسنوات. ولعل ذلك منحه قربا من النساء، وجعله يسعد بولادة البنات ويقول دائما عند كل ولادة، اصطفى البنات على البنين. وبالتالي، فقد مكنني القرب من والدي والحياة اليومية مع العائلة، وملاحظة التهميش الذي كانت تعاني منه والدتي بسبب جنسها، من الانتباه والتساؤل حول هذا الوضع. تم هناك عامل آخر، هو عودة الفتيات إلى البيت بعد السنوات الأولى من التمدرس الابتدائي (السنة الخامسة أو ما كان يعرف حينها بقسم الشهادة)، والتهيؤ للزواج فيما يواصل الولد التمدرس.

كانت هذه هي الارهاصات الأولى التي كيفتها الدراسة والقراءة الحرة، وحولتها إلى أسئلة حارقة عن وضع الفتاة داخل الأسرة وعن وضع المرأة داخل البيت وعن وضع الفقراء داخل المجتمع.

 ما الوسائل المتاحة آنذاك لربط الداخل بالعالم الخارجي؟

*كان المذياع هو وسيلة التواصل الأساس، الموسيقى أولًا، ثم الأخبار. وكان توقيت نشرة الأخبار لحظة شبه مقدّسة عند والدي، حيث يسود الصمت التام.

إلى جانب ذلك، شكّلت المدرسة والأسرة والمطالعة، مع ما يحمله المذياع من أخبار، نوافذ مفتوحة على العالم، المحلي منه والخارجي.

من هذه الروافد كانت البداية. تلقيت معارف في الصغر، وانتبهت إلى هذا التهميش، إلى الفقر الاجتماعي، إلى فقر القرية وصعوبة العيش والتهميش الجندري للفتيات والنساء.

ومن ثانوية شوقي ودينامية اليسار أنداك في السبعينات ومحاولة الجواب على بعض الأسئلة التي كانت تؤرقني والتي كانت منحازة للعقل والوعي والتحرر. وأصبح النضال أفقا مفتوحا وسلاحا فكريا في مواجهة الرجعية.

 حين نستحضر معك الذاكرة الجريحة لحقوق الإنسان في المغرب، لا نفعل ذلك باعتبارها ماضيًا منغلقًا، بل بوصفها ذاكرة حيّة تُحاور الحاضر. بين كتابك “حديث العتمة” (2001)، الذي وثّقتِ فيه تجربة السجن خلال سنوات الرصاص، وفيلم “فاطنة… امرأة اسمها رشيد” (2025). ما الذي تغيّر في نظرتك إلى التجربة وإلى الذات؟ وكيف تبدو علاقتك اليوم باسم “رشيد”: أهو جرحٌ مفتوح، أم ذاكرة متحوّلة إلى فعل مقاومة وانتصار على من حاول محو هويتك كأنثى؟

(بنبرة تجمع بين الشجن والإصرار) تجيب فاطنة:

*تسمية رشيد؟ منذ البداية كان هناك رفضٌ قاطع لها. لم أتبنَّ هذا الاسم يومًا، ولم أستجب له في قرارة نفسي. فالجلّاد هو من يعجز عن نطق اسمي وأسماء النساء؛ وهو، في جوهر الأمر، المهزوم.

وهكذا، لم يعد الاسم ندبةً بقدر ما تحوّل، مع الزمن، إلى رمزٍ للمواجهة والانتصار على محاولات المحو، وشاهدٍ حيّ على قدرة الذات على إعادة تعريف جراحها، لا الاستسلام لها.

وسط قساوة تجربة السجن، هل كان هناك شيء صغير جدًا أنقذكِ من الانهيار؟ كلمة عابرة، صوت ما، نافذة ضيقة، أو حتى لحظة صمت فهمتِ فيها أنكِ ما زلتِ قادرة على التنفّس؟

*في لحظة الاختطاف، كانت صورة والدي في هيبته ووقاره هي من كان ينقذني. ظل طيفه يرافقني كملاك يحرسني. كنت واثقة في قضيتي ولم انس هويتي لرغم محاولتهم تغيير اسمي. كانت المعركة بالنسبة لي معركة جيل، وانخراطنا كان العنوان الجديد في هذا المسار. وفي السجن كان وجود الأطفال يرحل بنا نحو الأمل ويغذي الحلم، كتبت نصا عن “إلهام” الطفلة التي ولدت في السجن، ولم تعرف غير السجن طيلة ثلاث سنوات. ويوم جاء أحد أفراد عائلتها لأخذها ارتمت في أحضانه رغم أنها لا تعرفه وذهبت معه بعيدا مودعة الجميع. هذه الصورة الموجعة، طرح علينا مجموعة من الأسئلة. كيف استطاع السجن تدجيننا؟ كيف لم نهرب ونعانق الحرية بالرغم من الاعتقال؟

ظهر في الفيلم حضور قوي لرفيقاتك من زمن النضال والاعتقال، في جلسات تختلط فيها قسوة الألم بسخرية مُرّة، وأنتن تستعيدن شهادات عن الجلاد الذي كان يُصرّ على تقويض الذات الأنثوية ومحو هويتكن، عبر مناداتكن بأسماء ذكور. كيف عشتِ استعادة هذه اللحظات اليوم؟ وهل كانت السخرية، في تلك الجلسات، شكلًا من أشكال المقاومة وحماية الذات، أم محاولة لإعادة امتلاك الذاكرة وتحويل الإهانة إلى فعل مواجهة؟

*نعم، هو حضور قوي للرفيقات في زمن النضال، وكنت قد كتبت نصا بمناسبة لقاء جمع بيننا رفاقا ورفيقات. أعتقد كان اللقاء الأول بعد سنوات من الحرية، وكنت قد كتبته لربيعة الفتوح، ولكن هذا الاهداء يصح ويصدق على جميع الرفيقات اللواتي جمعتني بهن علاقة متميزة، قلت لربيعة: “كنا ملكات تلك اللحظة، أو لم ندخل محفل الشأن من بابه الصعب، اعتقال ونفي وتعذيب، صار الزمن حبيبا. صار الزمن هبة، منحة. هذا الزمن الذي يلاقينا قسرا، حتى لا نكاد نتصور الفراق ويفرقنا حتى نكاد لا نجد اللقاء. وما بين المد والقطع غزارة شوق وفيض حنان وبحر ذكريات تغزونا أمواجه دون انقطاع. …الخ.

نشرت هذا النص في كتيب سميته قبل صدور كتابي، سميته “ولادة عسيرة”، يضم أيضا نصا إلى والدي وحوار كتبته فاطمة المرنيسي، تطرح فيه سؤال: كيف تتصورون معتقلة سياسية سابقة؟

إذا نعم، فعلا حين نلتقي نستعيد هذه اللحظات، نعيش ذكريات، بسخرية وقد عشناها بألم.

وتلك السخرية، أعتقد كما تقولين شكل من أشكال المقاومة وحماية الذات، وهي صحيح أيضا امتلاك لذاكرة لا ينبغي أن تنفلت. هذه الذاكرة التي تحكي قصة من نوع خاص. قصة نساء متميزات، قاومن وبرهن في فترة كان من الصعب فيها تصور مقاومة النساء في العقلية وليس في الواقع. فحياة النساء كلها مقاومة.

علمت من أحد الزملاء أنك تعرفت في احدى الوقفات بعد خروجك من السجن طبعا، بالضابط الذي كان وراء اعتقالك؟ هل المعلومة صحيحة؟ وكيف كان رد فعلك؟

*نعم المعلومة صحيحة، التقيت مريتن بجلادي وبمختطفي، التقيته مرة في محاكمة نوبير الأموي، كنا في المحكمة جالسين في نفس الصف. وفعلا وثرني حضوره وشعرت بخوف شديد واختلطت المشاعر في ذهني، هل أفضحه؟ هل التزم الصمت؟ أسئلة عديدة روادتني..

ماذا كان رد فعلك في الأخير؟ 

*تجاهلته..

تم وجدته مرة ثانية في اليوم الأول من جلسات الاستماع أمام مقر الهيئة، التقيته بالضبط وأنا أدخل إلى جلسة الاستماع. لا أخفيك، شعرت بالرهبة. لم أفهم سبب وجوده، ماذا يفعل هناك، حين رأيته لا أجد الكلمة حتى اليوم للتعبير عما أحسسته ساعتها، قد أقول إنه شيء زائد مخيف نخص علينا تلك اللحظة. ولكني التزمت الصمت لم أرد أن يهزمني.. تجاهلته من جديد ودخلت الجلسة لأعيش سعادة جلسات الاستماع، لأعيش لحظات البوح، وقلت مع نفسي، عليه أن يستمع. قلت يجب أن يستمع إلى أنات وصرخات والعذابات التي كان مسؤولا عنها.

 كامرأة سجينة في زمن العنف السياسي، ما الذي كان مهددًا أكثر في رأيك: جسدكِ أم هويتكِ؟ وهل تعتقدين أن المجتمع المغربي اليوم أصبح أكثر قدرة على فهم ما يعنيه أن تكون المرأة هدفًا للعقاب السياسي.

*هما مع، الجسد والهوية. الجسد يجب تحطيمه والهوية يجب نفيها، كلاهما كانا مهددين مستهدفين وكان ينبغي للأنثى فينا أن تنتصر عليهما معا. تنتصر على العنف الجسدي وتنتصر على محو الهوية. الانتصار على العنف الجسدي كان فيه الانسان. والانتصار على محو الهوية أيضا كان فيه الانسان. كان نموذج والدتي كامرأة لا يفارقني. اهتمامها بأنثويتها الكحل في عينيها والأناقة في ملبسها كل هذا كان يرافقني. وكان يحثني على أن أظل الأنثى التي هي أنا. ولكن التحدي هو كما تقولين، أن تكون المرأة هدفا للعقاب السياسي، لماذا أنت أنثى وتنخرطين في السياسة؟ لماذا أنت أنثى وتتجاوزين الحريم؟ تتجاوزين مكانك؟ تتجاوزين الحدود؟

ما الذي تخشينه أكثر اليوم: النسيان أم الاستغلال السياسي للذاكرة؟ وإذا كان لك أن توجهي كلمة لامرأة شابة تناضل في عالم لا يقل قسوة، فماذا تقولين لها لتعينها على الطريق؟

*لا أخشى النسيان، فنحن نعمل على كتابة وتصوير ما يمكن أن يحفظ ذاكرة النساء، والفيلم ما هو إلى بداية لهذا العمل. هناك عمل ينتظرنا كنساء من أجل التوثيق والحفاظ على هذه الذاكرة.  لست أخشى النسيان، أخشى الاستغلال السياسي للذاكرة. وأول ما تعاني منه المرأة L’Invisibilité. يعني التغييب والتهميش والإقصاء، مع أنه على عاتقها تقع مسؤولية، هذا الحفظ.

 وماذا تقولين للشابة المناضلة اليوم في ظل واقع مختلف وتحديات أخرى؟

*ماذا أقول لامرأة شابة؟ أنا اتعلم من الشابات اليوم، عالمهن ليس أقل قسوة. ولعل التجارب التي خضناها والإرث المشترك للحركة النسائية هو خارطة الطريق.

الحصيلة منذ السبعينات، هي خارطة الطريق، الحركة النسائية منذ التسعينات هي خارطة الطريق، والجيل الجديد للشابات ونضالهن خارطة الطريق، نحن نتعلم من بعضنا البعض، وما نتعلمه من الشابات أعتقد أكثر من الدروس المستفادة من تجربتنا. لديهن شكل جديد للتحدي.

 عشتِ مرحلة كان فيها الحب نفسه محاصرًا بالسياسة. كيف أثّرت تجربة الاعتقال والنضال على علاقتك بمن سترتبطين به حينها؟ وهل كان زواج الحب والأيديولوجية والرفقة النضالية نعمة، لأنها تمنح ربما المعنى، أم عبئًا إضافيًا فوق الجراح التي لم تكن تحتاج مزيدًا من الثقل؟

*نعم، كان الحب محاصرًا بالسياسة، كما تقولين. لكنني، شخصيًا، أؤمن بأن الحب، حتى وهو محاصر، كان له مكانه؛ في الاعتقال كما خارجه.

الحب قادر على اختراق القضبان، واختراق السجن، واختراق النضال ذاته.

أما الرفقة النضالية، فلها مساوئها كما لها إيجابياتها. وبالنسبة لي، يبقى الإنسان هو من يمنحها نعمتها أو يحوّلها إلى نقمة. الإنسان بحمولته الثقافية والاجتماعية، وبوعيه كمناضل، قد يكون أحيانًا أثقل وقعًا من الضغوط الاجتماعية أو الموروث الثقافي ذاته.

ثم إن هناك، في بعض اللحظات، رغبة في التميّز، رغبة قد يدفع صاحبها ثمنها غاليًا.

لعلّ ما بقي مضيئًا في هذا الارتباط، رغم تعثّره، هو أنه أهدى لكِ الأمومة. كيف تُعرّفين هذه الكلمة اليوم في تجربتكِ الشخصية والإنسانية؟

*الأمومة هي الكلمة التي صالحتني مع الحياة، الكلمة التي أعطت لحياتي معنى. نعم،الأمومة أسعدتني كثيرا ولازالت تسعدني.

 بعد كل هذا المسار النضالي، بكل ما راكمه من تضحيات وتجارب ومعاناة، هل تشعرين أن الأفق الذي حلمتم به بات أقرب، أم أن الطريق لا زال طويلا؟

(بنبرةٍ يختلط فيها الأسى بالوعي) تجيب فاطنة:

*لا يزال الطريق طويلًا، لأن تغيير العقليات هو المسار الأصعب..

 بهذه الجملة تنهي فاطنة حديثها مع “بسمة نسائية” جملة مثقلة بالمعنى: الطريق ما يزال طويلًا، لأن الذاكرة حين تتحوّل إلى وعي، تصبح مسؤولية جماعية لا تخصّ المناضلين وحدهم.

 وبين الأمل والحسرة، تترك فاطنة الباب مواربًا: الطريق طويل، نعم، لكن الاعتراف بصعوبته هو أول أشكال الصدق مع الذات والتاريخ.

 المعركة لم تنتهِ بعد، وتغيير العقليات يظل الرهان الأصعب في مسار حقوق الإنسان بالمغرب.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا