أوتيستو: حين يتكلم التوحّد

مراكش/ عزيزة حلاق


في إطار فقرة “آفاق”، التي خصّصتها الدورة الثانية والعشرون لمهرجان الفيلم الدولي بمراكش، احتضنت قاعة السفراء اليوم عرض فيلم “أوتيستو”، العمل المغربي الجديد للمخرج جيروم كوهن أوليفار، الذي حضر رفقة فريق العمل وبطلته لبنة أبيضار.
منذ اللحظات الأولى، وجد الجمهور نفسه أمام تجربة سينمائية مختلفة، مكثّفة، تُلامس المشاعر بعمق وتفتح أسئلة حول التوحّد، الأمومة، والإنسانية.
تُربّي مليكة ابنها آدم، المصاب بتوحّد شديد، في عالمٍ يضيق بهما أكثر مما يتّسع. يومياتها سلسلة من الصراخ والنوبات والقلق، لكنها أيضاً معركة شرسة من أجل إنصاف ابنها وضمان مكان له في المجتمع. داخل هذه المحنة الثقيلة، يدخل إلى حياتهما رجل غريب: حارس مقبرة يمتلك قدرة غامضة، يفتح حضوره باباً لعلاقة غير متوقعة، صامتة، لكنها عميقة إلى حد تتجاوز الواقع نحو بعدٍ روحاني. بينه وبين آدم يتشكّل رابط يجعل الصمت نفسه لغة حقيقية.
لا يقدّم الفيلم التوحّد باعتباره “مرضاً” أو “نقصاً”، بل كنافذة تمنح نظرة مختلفة إلى العالم، نظرة محمّلة بالإنسانية وبصمتٍ يفيض بالمعنى. إنه دعوة إلى الإصغاء، إلى التفهّم، وإلى إعادة النظر في هشاشة البشر وقوتهم الكامنة.
الفيلم، يطرح قضية نادرا ما يتم معالجتها بهذه الشفافية والصدق في السينما المغربية.
ويفتح حواراً اجتماعياً وإنسانياً حول التوحّد والعزلة والأمومة، ويرفع صوت العائلات التي تعيش هذه التجربة في صمت، ويقدّم واقعية قاسية أحياناً، لكنها ضرورية، لتذكيرنا بالصعوبات التي يواجهها الأطفال المصابون بالتوحّد ومَن يعتنون بهم.
على المستوى الفني، يشكّل العمل منعطفاً في مسار جيروم كوهن أوليفار، الذي ينتقل من عوالمه الفانتازية إلى تجربة واقعية حسّاسة، مشحونة بالعاطفة وملتصقة بعمق بالحياة اليومية. إنه انتقال من “الدراما الخارجة عن المألوف” إلى “واقعية صادمة وحنونة في آن واحد”، مُستلهم من تجربته الشخصية كأب لطفل مصاب بالتوحّد.
عُرض الفيلم لأول مرة في المغرب ضمن فعاليات المهرجان الوطني للفيلم بطنجة (الدورة 25 – أكتوبر 2025)، واعتبره كثيرون “صرخة إنسانية صامتة”، تُسلّط الضوء على واقع شائك غالباً ما يتجنبه صناع السينما.
في دور الأم، قدّمت لُبنى أبيضار أحد أكثر أدوارها نضجاً وصدقاً، أداءً ينقل هشاشة مليكة وقوتها في الوقت نفسه. وإلى جانبها يشارك سام قنطر ويوسف بوجَرّة الزينة في بطولة الفيلم، من إنتاج شركة Z Films لزهور فاسي فهري.
“أوتيستو” ليس مجرد فيلم عن مرض أو معاناة، بل عمل عن الأمومة والصمود، وعن قدرة الصمت على أن يكون لغة تجمع بين عالمين. إنه تذكير بأن السينما قادرة على أن تكون أداة للتوعية والتغيير، ومساحة تمنح صوتاً لمن ظلوا طويلاً في الظل.



