كسر حكم مسبق أصعب من تفكيك ذرة

بقلم: شكيب حلاق
تُنسب إلى ألبرت أينشتاين عبارة مفادها أن تفكيك ذرة أسهل من كسر حكم مسبق. وسواء كانت العبارة له حقًا أم لا، فإن الصورة التي تقدمها تبدو بالغة الدقة: لقد تعلمنا اختراق المادة، وقياس ما لا يُرى، وتحويل الذرة إلى مصدر للطاقة، لكننا ما زلنا نواجه صعوبة كبيرة في إعادة النظر في بعض الأفكار التي ورثناها.
ولعل هذا واحد من أكثر مفارقات عصرنا إثارة للقلق. فقد دفعت العلوم حدود الممكن إلى أبعد مدى، بينما لا يزال العقل البشري، أحيانًا، أسير أحكام قديمة. نستطيع أن نرسل آلات إلى أقاصي النظام الشمسي، ونواصل في الوقت نفسه النظر إلى الآخر من خلال تصنيفات جاهزة. ونعرف كيف نُغيّر المادة بدقة مذهلة، لكننا لا نزال نجد صعوبة في تغيير بعض التصورات التي نحملها عن أنفسنا وعن الآخرين.
الحكم المسبق أو التحيز لفكرة، ليس مجرد رأي خاطئ، بل هو فكرة استقرت قبل أن تخضع للفحص الحقيقي. وعندما تتوقف فكرة ما عن أن تكون موضع سؤال، يمكن أن تتحول إلى يقين، ثم إلى رد فعل تلقائي. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: ليس حين تكون أفكارنا خاطئة، بل حين نفقد القدرة على إدراك أننا نحملها أصلًا.
وهنا تستعيد الفلسفة مهمتها الأساسية: أن ترخي قبضة ما يبدو لنا بديهيًا. فهي لا تتمثل مهمتها في إنتاج الشعارات، وإنما في إعادة المرونة إلى العقل. أن نفكر لا يعني أن نكرر ما نعتقده سلفًا، بل أن نقبل بأن تغيّرنا المعرفة التي نكتسبها. والحكم المسبق يكره هذا التغيير. إنه يفضل الحدود الواضحة، والهويات المغلقة، والإجابات الجاهزة.
والأكثر إثارة للقلق ليس وجود الأحكام المسبقة. فهي جزء من التاريخ الإنساني. بل الأخطر هو أن تصبح غير مرئية بالنسبة إلى من يحملها. عندها تتوقف عن كونها آراءً، وتتحول إلى ردود فعل تلقائية. ورد الفعل التلقائي لا يحتاج إلى حجج ليدافع عن نفسه؛ يكفيه أن يكون هناك عدو.
تفكيك ذرة يحتاج إلى طاقة هائلة. أما كسر حكم مسبق فيحتاج إلى شيء آخر: الوقت، والتواضع، والتعليم، وأحيانًا الشجاعة. لأن التخلي عن حكم مسبق لا يعني فقط تصحيح خطأ، بل الاعتراف بأننا أخطأنا في فهم العالم، وأحيانًا أخطأنا في فهم أنفسنا أيضًا.
في العمق، تذكّرنا عبارة أينشتاين بحقيقة قاسية: المادة تقاوم، لكن العقل البشري قد يقاوم الحقيقة أكثر منها. ولهذا فإن محاربة الأحكام المسبقة ليست ترفًا أخلاقيًا أو إضافة هامشية، بل شرط من شروط الحرية.
*مترجم بتصرف عن موقع “لكوليماتور” (Le Collimateur)



