انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

حين تصبح الحلول مشكلة: درس بول واتزلاويك..FORMIDABLE

بقلم: شكيب حلاق

مترجم بتصرف عن “لوكوليماتور”*

يقدم عالم النفس والمنظّر في مجال التواصل بول واتزلاويك فكرة تبدو، للوهلة الأولى، مفارقة: قد نساهم، ونحن نحاول حل مشكلة ما، في استمرارها أو حتى في إعادة إنتاجها. وعندما تفشل محاولاتنا المتكررة، لا يكون الحل بالضرورة في بذل جهد أكبر، بل قد يكمن في مراجعة المنطق الذي يحكم الطريقة التي اخترنا بها الحل.

يشرح واتزلاويك هذه الفكرة من خلال حكاية ساخرة أطلق عليها اسم “السيد فورميدابل”. وهي حكاية رمزية، وليست واقعة حقيقية موثقة.

يحكي واتزلاويك عن زوجين انتظرا سنوات طويلة مولودًا، وعندما جاء ابنهما أطلقا عليه اسم “فورميدابل” (رائع)، تعبيرًا عن فرحتهما بقدومه. لكن الطفل ينشأ ضعيفًا وهزيلًا، ويصبح اسمه مصدرًا للسخرية والمعاناة طوال حياته.

وفي نهاية حياته، يطلب من زوجته ألا تكتب اسمه على قبره. تستجيب لرغبته، وتضع على شاهد القبر عبارة تعبّر عن إخلاصه ووفائه لها: «هنا يرقد أوفى زوج رأيته في حياتي”. غير أن المارة، وهم يقرؤون العبارة، يعلقون: ” فورميدابل!”.

المفارقة هنا أن الحل الذي كان يفترض أن يزيل المشكلة أعاد إنتاجها بطريقة أخرى. وهذه هي الفكرة المركزية التي يريد واتزلاويك إبرازها: أحيانًا لا تكمن المشكلة في المشكلة ذاتها، وإنما في محاولاتنا المتكررة لحلها بالطريقة نفسها.

وهنا يظهر مفهوم “المزيد من الشيء نفسه”. فعندما نفشل في حل مشكلة، نميل بصورة طبيعية إلى تكرار الاستراتيجية نفسها، ولكن بجرعة أكبر. إذا لم تنجح، نزيد منها، وإذا استمرت المشكلة، نضاعف الجهد. لكن هذا التصرف قد يجعل الوضع أسوأ.

خذ مثلًا الأرق: كلما حاول الإنسان إجبار نفسه على النوم، راقب الساعة أكثر، وفكر في ضرورة النوم، وازداد توتره؛ فيصبح الجهد المبذول للنوم أحد أسباب استمرار الأرق. وفي العلاقات، قد يرفع الأب صوته لأن ابنه لا يستمع، فيزداد الطفل مقاومة وانغلاقًا، فيرفع الأب صوته أكثر، وهكذا يدخل الطرفان في حلقة تغذي نفسها بنفسها.

من هنا يميز واتزلاويك بين التغيير من النوع الأول والتغيير من النوع الثاني. النوع الأول يعني تعديل شيء داخل الإطار نفسه: زيادة الجهد، أو تغيير التفاصيل، مع الإبقاء على القواعد والمنطق ذاته. أما النوع الثاني فيعني تغيير الإطار نفسه وقواعد اللعبة. فبدل أن ندفع الباب المغلق بقوة أكبر، نسأل: هل المطلوب أن نسحبه؟ وهل هو أصلًا الباب الذي ينبغي أن نخرج منه؟

وتتضح الفكرة أيضًا في الإدارة والعلاقات الزوجية والانتخابات. فمدير يواجه ضعف استقلالية فريقه قد يزيد الرقابة والاجتماعات، فيؤدي ذلك إلى تقليص استقلالية الفريق أكثر. وفي الخلاف الزوجي، قد يؤدي الإصرار على شرح وجهة النظر وإثباتها إلى مزيد من الانغلاق لدى الطرف الآخر.

أما في المجال السياسي، فقد يبحث المواطن الذي فقد الثقة في المرشحين عن مزيد من المعلومات والبرامج والتحليلات بحثًا عن يقين كامل، لكنه قد يجد نفسه أمام أسباب جديدة للشك. هنا يقترح التغيير من النوع الثاني تغيير السؤال نفسه: بدل “من المرشح الذي أثق به تمامًا؟”، يصبح السؤال: «ما الاختيار الأكثر قابلية للدفاع عنه في ضوء ما أعرفه وما أجهله؟”.

وترتبط هذه الرؤية مباشرة بنظرية واتزلاويك في التواصل، وخاصة فكرته الشهيرة: «لا يمكن ألا نتواصل». فالصمت، والانسحاب، والإيماءات والسلوك، كلها تحمل رسائل. وفي النزاعات، قد يرى كل طرف أن سلوكه مجرد رد فعل على الطرف الآخر: «أنا أصمت لأنه يهاجمني”، بينما يقول الآخر: «أنا أهاجمه لأنه يصمت». وهكذا تتحول العلاقة إلى دائرة مغلقة، يرى كل طرف نفسه نتيجةً لسلوك الآخر.

لذلك يقترح واتزلاويك إعادة التأطير: أي النظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة، لا إنكار الواقع، وإنما تغيير الطريقة التي نفهم بها ما يحدث. وعندما تفشل الحلول مرارًا، ربما ينبغي ألا نسأل فقط: “كيف أتخلص من المشكلة؟”، بل السؤال الأكثر عمقًا: “ما الفهم الذي أتبناه لهذه المشكلة ويجعلني أعيد إنتاجها؟”

وهنا تبدأ، ربما، لحظة التحول الحقيقي: حين نتوقف عن مقاومة الدائرة بالطريقة نفسها، ونكتشف أن بإمكاننا تغيير شكلها.

La chronique philo de Chakib HALLAK . Quand la solution devient le problème : la leçon de Paul Watzlawick

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا