انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

عن أي تغيير تتحدثين؟ “السيستيم” معطّل يا صديقتي!

توقيع: خولة الغلوي المدغري

أحيانًا نحتاج إلى شخص يأتي من بعيد، لا ليخبرنا بما نجهله، بل ليضع أمامنا، بهدوء، ما نتجنب رؤيته.

التقيتها من جديد بعد سنوات طويلة. صديقة قديمة، ربطتني بها سنوات من الصداقة، وتقاسمنا معًا مقاعد الدراسة، والأحلام نفسها، والنقاشات الحماسية حول الوطن والمستقبل والسياسة. ثم افترقت طرقنا، واختارت هي، بعد انتهاء دراستنا، أن تستقر في الولايات المتحدة.

كانت في المغرب في زيارة خلال عطلتها. التقينا من جديد، وكانت الألفة بيننا كما هي، وكأن السنوات لم تمر، وكأن شيئًا لم يتغير.

وسرعان ما بدأت أحدثها عما يشغلني: قناعاتي، وانخراطي السياسي، ونضالي من أجل إدماج الشباب مهنيًا، ورغبتي في أن يتمكن جميع المغاربة في العالم من العودة إلى وطنهم والمساهمة في بنائه.

حدثتها عن الديمقراطية. عن الديمقراطية التي أؤمن بها. عن ديمقراطية مغربية تتلاءم مع واقعنا، وتحترم خصوصيتنا، وتمنح المواطن حقه في المشاركة والاختيار والمساءلة.

كنت أتحدث بشغف، وكانت تستمع إليّ. ثم نظرت إليّ بشيء من الدهشة وقالت:

وأنت تناضلين من أجل الديمقراطية… ولكن من أجل أي مجتمع تحديدًا؟”

لم أجبها فورًا.

فواصلت، وكأنها قررت أن تذهب معي إلى نهاية السؤال:

هل تقصدين مجتمعًا يرمي فيه البعض نفاياتهم في الشارع، وهم يفترضون أن شخصًا آخر سيأتي لتنظيفها؟

أم ذلك الذي يتجاوز الإشارة الحمراء، معرضًا حياة الآخرين للخطر، بمبرر أنه مستعجل؟

أم أولئك السائقين الذين يتجاوزون السيارات بطريقة عشوائية، من دون قواعد ولا احترام؟

أم ذلك الذي يرفض إنجاز ملف من دون أن يحصل على “شي قهيوة”؟

أم ذلك الذي يعرض من تلقاء نفسه أن يدفع مالًا من أجل الالتفاف على قاعدة أو قانون؟

أم تلك الصفقات المفبركة وطلبات العروض الموجهة، حيث تختفي الاستحقاقات والكفاءة خلف العلاقات والمعارف؟ أو عندما تُسرق فكرة شاب وتُمنح لشخص آخر لمجرد أن والده فلان؟ “باك صاحبي”.

أم ذلك الموظف الذي يقول لك: «السيستيم معطل»، بينما هو لم يحاول حتى تشغيله؟

أم ذلك الذي يجعلك تعودين ثلاث مرات من أجل وثيقة كان بإمكانه معالجتها في عشر دقائق؟

أم ذلك الذي يغلق الشباك قبل موعد الإغلاق، لكنه يحتفظ بابتسامته أمام رؤسائه؟

أم أولئك الأطباء الذين يختصرون مدة الاستشارة من دون أن يستمعوا حتى إلى المريض؟

أم ذلك الأستاذ الذي لا يُعد دروسه، أو الذي يعيد الدرس نفسه منذ أن التحق بالعمل؟

أم ذلك المقاول الذي لا يدفع أجور موظفيه في موعدها، لكنه يتحدث عن “حقوقه”، ويشتكي من أن هؤلاء الشباب لا يريدون العمل؟

أم أولئك الذين يتجاوزون الجميع في الصف، وكأن القاعدة لا تنطبق عليهم؟

أم ذلك الذي يقاطع الآخرين، ويصرخ، ويفرض حضوره من دون أي اعتبار للآخر؟

كنت أشعر بأن كلماتها تزداد ثقلًا.

ثم تابعت بهدوء أكبر:

وماذا عن تلك المرأة… التي فقدت ابنها معيلها الوحيد، في حادثة سير؟

تأتي إلى الإدارة وهي مكسورة أصلًا.

يطلبون منها وثيقة. ثم وثيقة أخرى. ثم أخرى.

يرسلونها من مكتب إلى آخر، ومن طابق إلى آخر.

تنتظر. تعود. تقف من جديد في الصف.

وفي كل مرة يقولون لها: “هناك وثيقة ناقصة..”.

وفي كل مرة، الجواب نفسه:” عودي غدًا”.

لا أحد يقول لها: “اجلسي”.

لا أحد يحاول تبسيط الإجراءات.

لا أحد يرى أنها ليست مجرد ملف… بل أم تتألم.

ساد الصمت بيننا.

ثم أضافت:

الديمقراطية يا صديقتي، ليست شعارًا، وليست مجرد حقوق نطالب بها.

الأمور أعقد من ذلك.

هي مواجهة الفساد أولا وأخيرا، من الرشوة الصغيرة إلى الصفقات الكبيرة.

الديموقراطية أن تؤدي عملك بشكل صحيح، حتى عندما لا يكون هناك من يراقبك.

أن تحترم وقت الآخرين وكرامتهم وحقوقهم، حتى في أبسط التفاصيل.

أن تدرك أن كل سلوك فردي منا يبني المجتمع أو يهدمه.

لم تعد لدي حجج. لم أجد جوابًا.

قلت لها كلامًا عابرًا، قبل أن تختصر هي دهشتي، وكل هذا التعقيد وهذه الإشكالات في جملة واحدة:

السيستم معطل يا صديقتي…

نظرت إليّ بابتسامة لم أستطع أن أحدد معناها تمامًا.

أكانت ابتسامة ساخرة؟ مستفزة؟ أم ربما مجرد ابتسامة امرأة ترى الأمور بوضوح؟

لا أعرف بالضبط.

كنت بالكاد أسعيد صوتي، ولم أعد أعرف حتى إن كانت تحاول استفزازي، أم أنها أرادت فقط أن تعيدني إلى واقع كنت أرفض النظر إليه.

ثم قالت لي بنبرة ساخرة ومستفزة، أو هكذا شعرت بها.

خولة، هل تعتقدين أن الحديث عن الديمقراطية أمام شخص يعرف أنك تستغلين صوته مقابل حاجته إلى الـ200 درهم، التي ستغطي مصروفه لأيام قليلة، أو ببساطة لكي يشتري أدوية لطفله… هل لهذا الحديث معنى فعلًا؟

ثم أضافت:

الديمقراطية يا صديقتي تحتاج بيئة ديمقراطية… انظري من حولك. الناس لم تعد تثق بالانتخابات وبالبرلمانيين، وهذا لن يتغير، ما دام هؤلاء الفاسدون هم من يتولون مناصب الحل والعقد. وما دام “السيستيم” فاسدًا، فالمغرب لن يتغير.

زعزعت كلماتها أعماقي.

لأنها، في الحقيقة، لم تكن تتحدث معي عن الديمقراطية فقط.

كانت تتحدث معي عن من يعيش يومه من أجل البقاء.

عن أولئك الذين لا تمثل لهم 200 درهم مبلغًا رمزيًا، وإنما قد تكون أحيانًا طعام أيام من السوق الأسبوعي، أو بعض الأدوية، أو فاتورة….

كانت تحدثني عن مواطن لا يفكر بالضرورة بمنطق المبادئ السياسية، وإنما بمنطق من أين له بمصروف الغد؟

وفجأة، بدا لي أن تصوري للديمقراطية يصطدم بواقع أكثر قسوة بكثير.

فكيف يمكن أن نطلب من شخص يعيش تحت ضغط الحاجة والضرورة أن يفكر في المدى البعيد؟

كيف نطلب منه أن يثق في المؤسسات، وهو يشعر بأنها لا تغير شيئًا في حياته؟

كيف نتحدث معه عن الديمقراطية، بينما لا يعرف كيف سيدفع ثمن دوائه، أو كيف سيطعم أبناءه، أو كيف سينهي الشهر؟

ومع ذلك…

أليست الديمقراطية موجودة من أجل هذا المواطن تحديدًا؟

لم تكن لدي إجابة بعد.

وأنا أودعها، تساءلت: هل أناضل من أجل واقع حقيقي… أم من أجل فكرة لا تزال هشة؟

تساءلت إن كانت على حق.

ربما أنا مثالية.

ربما أضيع فعلًا وقتي وطاقتي.

وربما لن أرى أبدًا ثمار هذا النضال.

لكن فكرة أخرى، أكثر إزعاجًا، فرضت نفسها عليّ.

وماذا لو كان الاستسلام تحديدًا هو ما ينتظره منا النظام؟

وماذا لو كانت الديمقراطية التي نطالب بها بصوت عالٍ تفشل كل يوم، بصمت، في أبسط سلوكياتنا وتصرفاتنا اليومية؟

وماذا لو أن التغيير الحقيقي لا يبدأ داخل البرلمان، ولا في وزارة، ولا في خطاب سياسي…

بل يبدأ من كل واحد وواحدة منا؟

عندها، ربما لا يكون السؤال فقط:

هل يستطيع المغرب أن يتغير؟

ربما ينبغي علينا أيضًا أن نسأل أنفسنا:

هل نحن أنفسنا مستعدون للتغيير؟

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا