انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
أسماء لا تُنسى

نور الشريف.. حين تلمع الثقافة في عيني الفنان

سألوا يوسف شاهين ذات مرة: لماذا اخترت نور الشريف، من بين كل نجوم مصر والوطن العربي، ليجسد دور الفيلسوف الكبير ابن رشد في فيلم المصير؟

فأجاب بجملة قصيرة، لكنها تختصر الكثير من شخصية نور الشريف:

“لأنه الوحيد بينهم، في عينيه لمعة المثقف”.

لم يكن شاهين يبحث عن ممثل يجيد ارتداء ملابس ابن رشد أو حفظ حواره الفلسفي. كان يبحث عن شيء لا يمكن للمكياج ولا للتمثيل أن يصنعاه: نظرة إنسان يفكر، وعينين خلفهما عقل وأسئلة ووعي.

ولعل هذه العبارة تختصر نور الشريف أكثر مما تختصره عشرات الألقاب.

فهو لم يكن مجرد نجم سينمائي كبير، ولا مجرد ممثل صاحب موهبة استثنائية. كان فناناً يحمل مشروعاً فكرياً، يقرأ ويحاور ويسأل، ويتعامل مع الفن باعتباره مسؤولية، لا مجرد مهنة تضمن له الشهرة والأضواء.

ولهذا بدا اختيار يوسف شاهين له في المصير منطقياً إلى حد بعيد.

كان ابن رشد، في الفيلم، يخوض معركة العقل ضد التعصب، ومعركة التفكير ضد الوصاية، ويدافع عن حق الإنسان في أن يسأل ويفكر ويختلف.

وكان نور الشريف، خارج الشاشة أيضاً، فناناً لا يخشى الأسئلة.

من ابن رشد إلى ناجي العلي

لكن “لمعة المثقف” لم تظهر فقط في عينيه وهو يؤدي دور الفيلسوف.

ظهرت أيضاً في اختياراته.

وربما كان فيلم ناجي العلي أحد أكثر الاختبارات قسوة التي كشفت حقيقة هذا الرجل.

في عام 1992، جسد نور الشريف شخصية رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي في فيلم أخرجه عاطف الطيب وكتب السيناريو بشير الديك، وشارك نور الشريف في إنتاجه. لم يكن الفيلم عادياً، ولا الشخصية التي اختارها سهلة؛ فناجي العلي كان فناناً جعل من ريشته أداة نقد سياسي حاد، وواجه بها الاحتلال والأنظمة العربية والسلطات المختلفة، حتى اغتيل في لندن عام 1987.

كان نور الشريف يعرف أن الاقتراب من شخصية بهذا الحجم يعني الدخول إلى منطقة شديدة الحساسية.

ومع ذلك دخلها.

ولم يكن يعرف أن الثمن سيكون باهظاً إلى هذا الحد.

ما إن خرج الفيلم إلى الجمهور حتى تعرض الشريف لحملة عنيفة، واتُّهم بعدم الوطنية والخيانة، ووصل الأمر إلى اتهامه بالحصول على أموال من منظمة التحرير الفلسطينية لإنتاج الفيلم. كما مُنع الفيلم في عدد من البلدان العربية، وتأثرت أعمال نور الشريف ومشواره الإنتاجي بهذه الحملة.

لكن أكثر ما يوجع في القصة ليس الهجوم نفسه، وإنما أن نور الشريف ظل يتحدث عنه بعد سنوات باعتباره واحدة من أسوأ الفترات في حياته.

في حواره مع “المصري اليوم” قال إن الفترة التي أعقبت عرض الفيلم كانت من أسوأ مراحل حياته بسبب الحملة الشرسة التي تعرض لها، مستغرباً أن الذين هاجموه كانوا أنفسهم يتابعون تصوير الفيلم ويكتبون عنه بإيجابية قبل عرضه، كما أشار إلى أن الفيلم كان قد حصل على موافقة الرقابة ولم يكن يُصنع في الخفاء.

وفي حوارات أخرى كشف أن الحملة استمرت نحو ستة أشهر، وأنها دفعته إلى التفكير في الهجرة من مصر والعمل في الإعلام أو الصحافة في إنجلترا.

تخيلوا حجم الألم الذي يمكن أن يجعل فناناً بحجم نور الشريف يفكر في مغادرة بلده!

لكن نور لم يندم على الفيلم.

وهنا تكمن قيمة الرجل.

لم يقل: ليتني لم أفعل.

لم يتبرأ من اختياره.

لم يحاول محو التجربة من تاريخه.

بل ظل يدافع عن الفيلم وعن حق الفنان في أن يطرح الأسئلة، حتى لو كانت الأسئلة مزعجة.

وكان يرى أن ناجي العلي لم يكن عدواً لمصر، بل فناناً فلسطينياً أحب مصر، لكنه كان ينتقد السياسات والمواقف التي رآها خاطئة. وفي شهاداته اللاحقة تحدث أيضاً عن خلافه مع ياسر عرفات بسبب الفيلم، ثم عن المصالحة التي تمت لاحقاً.

هنا يصبح فيلم ناجي العلي أكثر من مجرد محطة في مسيرة نور الشريف.

إنه اختبار حقيقي لمفهوم الفنان المثقف.

فالثقافة ليست أن تحفظ أسماء الفلاسفة، أو أن تتحدث بلغة كبيرة، أو أن تملأ مكتبتك بالكتب.

الثقافة الحقيقية تظهر عندما تتحول المعرفة إلى موقف.

وعندما يعرف الإنسان أن بعض الاختيارات قد تكلفه كثيراً، ومع ذلك يختارها لأنه يؤمن بما وراءها.

وهذا بالضبط ما فعله نور الشريف.

اختار ابن رشد في المصير، فكان أمامنا فنان يجسد سؤال العقل.

واختار ناجي العلي، فكان أمامنا فنان يجسد سؤال الحرية.

وبين الشخصيتين، كان نور الشريف نفسه.

عقلاً يفكر، وفناناً يسأل، وإنساناً يدفع ثمن أسئلته.

ولذلك فإن الحديث عن نور الشريف باعتباره “نجماً” فقط فيه ظلم كبير لتجربته.

لقد كان من جيل الفنانين الذين لم تكن الشهرة عندهم نهاية الطريق، وإنما بداية مسؤولية.

كانت لديه آراء في الفن والسياسة والمجتمع، وكان حواره غالباً يحمل شيئاً من التأمل والتحليل، لا مجرد إجابات محفوظة. ولهذا بقيت حواراته مثيرة للاهتمام حتى بعد رحيله؛ لأنها تكشف الإنسان خلف الممثل.

ومن أكثر ما يكشف شخصية نور الشريف، حديثه المتكرر عن تلك المحنة.

لم يكن يتحدث عن الخلاف باعتباره معركة بينه وبين خصومه فقط، بل كان يتحدث عن الظلم الذي شعر به.

وفي إحدى شهاداته قال: “أفظع شيء في الدنيا الظلم”.

ولعل هذه الجملة تلخص جانباً كبيراً من شخصيته.

فالفنان الذي يؤدي أدوار المهمشين والمقهورين والمنكسرين، لم يكن بعيداً عن الإحساس بالظلم حين أصبح هو نفسه هدفاً لحملة إعلامية شرسة.

وربما لهذا كان تمثيله مقنعاً.

لأنه لم يكن يمثل الإنسان من الخارج.

كان يفهمه من الداخل.

رحل نور الشريف في 11 غشت 2015، لكن بعض الفنانين لا تنتهي حياتهم الفنية عند لحظة الرحيل.

يبقون في أعمالهم، وفي الأسئلة التي طرحوها، وفي المواقف التي اتخذوها، وفي الحوارات التي تركوها لنا.

وعندما نستعيد اليوم صورته، لا ينبغي أن نتذكر فقط نور الشريف الممثل الذي أبدع في عشرات الأفلام والمسلسلات.

ينبغي أن نتذكر نور الشريف المثقف.

ذلك الذي كانت لديه الجرأة على التفكير، وشجاعة الاختيار، وقدرة نادرة على تحويل الفن إلى مساحة للنقاش.

وربما لهذا كان يوسف شاهين محقاً تماماً.

فـ”لمعة المثقف” ليست شيئاً يمكن أن تتعلمه في معهد للتمثيل.

إنها شيء يسكن الإنسان.

شيء يظهر في عينيه حين يتحدث، وفي اختياراته حين يُختبر، وفي مواقفه حين تصبح الكلفة أكبر من المكسب.

ولذلك، حين اختار نور الشريف أن يكون ابن رشد، لم يكن يؤدي دور فيلسوف فقط.

وحين اختار أن يكون ناجي العلي، لم يكن يؤدي دور رسام فلسطيني فقط.

كان في الحالتين يقول شيئاً عن نفسه.

أنا فنان أؤمن بأن العقل حق، وأن السؤال حق، وأن الفن لا يكون عظيماً حين يصفق للجميع، بل حين يجرؤ أحياناً على إزعاجهم.

رحم الله نور الشريف…

ذلك الفنان الذي لم تكن الثقافة في كلامه فقط، بل كانت تلمع في عينيه، وتظهر في اختياراته، وتدفعه أحياناً إلى مواجهة العاصفة.

وربما لهذا بقيت تلك اللمعة بعد رحيله.

لأن بعض اللمعات لا تنطفئ بموت أصحابها.

بل تتحول إلى ذاكرة.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا