بين الهروب الكبير والعزوف الانتخابي… أي رسالة يبعثها المغاربة؟

حديث بسمة/ عزيزة حلاق
هناك مشاهد لا تحتاج إلى تعليق، لأنها تتحدث ببلاغة الواقع.
أن ترى عشرات الآلاف من المغاربة يتدفقون نحو سبتة، بينهم رجال ونساء، وأسر بأطفالها، ومراهقون، وشباب في مقتبل العمر، فذلك ليس مجرد حدث عابر، ولا مجرد محاولة هجرة جماعية. إنه مشهد يستحق أن نتوقف عنده طويلًا، لأن من يركض نحو المجهول لا يفعل ذلك بدافع المغامرة وحدها، بل لأن الأمل في مكان آخر يبدو، بالنسبة إليه، أقوى من الأمل في البقاء.
هذا المشهد لا يمكن فصله عن أسئلة أخرى يطرحها الواقع المغربي اليوم.
ففي الوقت الذي تستعد فيه الأحزاب لخوض غمار الانتخابات، تشير المعطيات إلى أن نحو 12 مليون مواطن ما زالوا خارج اللوائح الانتخابية، ولم يستجب لدعوات التسجيل سوى حوالي 430 ألف شخص. وقد تتعدد أسباب هذا العزوف، لكن من الصعب تجاهل دلالاته، أو اعتباره مجرد رقم عابر.
ثم هناك معطى آخر لا يقل إثارة للقلق، يتعلق بالشباب. فالمغرب يضم ما يقارب ثلاثة ملايين شاب وشابة، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، خارج المدرسة، وخارج التكوين، وخارج سوق الشغل، وهم ما يُعرف بفئة NEET. إنها طاقات بشرية هائلة، معلقة بين انتظار طويل ومستقبل غامض.
وحين تجتمع البطالة التي وصلت إلى 13 في المائة، مع الهشاشة، ويتسع الفقر، وتتراجع فرص الارتقاء الاجتماعي، تصبح بعض الفئات أكثر عرضة لمخاطر الإقصاء، والإدمان، والانحراف، والهجرة غير النظامية. وهي تحديات لا تمس الأفراد وحدهم، بل تمس المجتمع بأسره، لأنها تستنزف أهم ثروة يملكها الوطن: الإنسان.
قد يرى البعض أن هذه الملفات منفصلة، لكن الواقع يوحي بأنها تلتقي عند نقطة واحدة: ضبابية الأفق وانعدام الثقة.
الثقة في أن المدرسة تستطيع أن تصنع مستقبلًا، وأن الشغل يمكن أن يكون ثمرة للكفاءة، وأن العلاج حق، وأن العدالة منصفة، وأن المشاركة السياسية قادرة على إحداث الفرق، وأن الوطن يتسع لأحلام أبنائه جميعًا.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه مع اقتراب الانتخابات ليس فقط: من سيفوز؟ بل: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن؟
قد يكون من المشروع، في هذه المرحلة، فتح نقاش وطني هادئ حول سبل تطوير الحكامة، والبحث عن صيغ جديدة للتدبير، تضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.
ومن بين الأفكار التي يطرحها بعض المتابعين للشأن العام، التفكير في حكومة وحدة وطنية، تضم أفضل الكفاءات والخبرات، وتعمل تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، من أجل جعل القضايا الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والعدالة، والمالية العمومية، والقدرة الشرائية، والتشغيل، في صلب الأولويات الوطنية، بعيدًا عن منطق التدافع الحزبي وحده.
قد يختلف المغاربة حول هذا الطرح، وهذا أمر طبيعي في أي نقاش “ديموقراطي”. لكن ما لا ينبغي أن نختلف حوله هو أن الرسائل التي يبعثها المجتمع تستحق الإصغاء.
فحين يختار بعض المواطنين البحر بدل الانتظار، وحين يعزف ملايين آخرون عن التسجيل للمشاركة في صناعة القرار، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالهجرة أو بالانتخابات، بل بحاجة ملحة إلى تجديد الثقة، وإعادة الاعتبار للإنسان، وجعل الكرامة والأمل محور كل السياسات العمومية.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تنجزه من طرق، وموانئ، ومناطق صناعية، أو بما تستضيفه من تظاهرات ومشاريع كروية كبرى، بل تُقاس، قبل كل شيء، بعدد المواطنين الذين يختارون البقاء فيها بإرادتهم، ويؤمنون بأن مستقبلهم يُبنى على أرضها، وأن أصواتهم ما تزال قادرة على صناعة الفرق بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
فحين يصبح الوطن مشروع أمل، لا يفكر أبناؤه في الهروب منه، بل في المشاركة في بنائه.
وحين يستعيد المواطن ثقته في المستقبل، تصبح صناديق الاقتراع وجهةً طبيعية، لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي أو إنجاز عمراني.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأبلغ التي يبعثها المغاربة اليوم، ونحن على أبواب استحقاقات جديدة: أن بناء الثقة في الإنسان هو أعظم استثمار، وأن كسب المواطن أهم من كسب أي معركة انتخابية.


