فولتير و«كانديد»… الضحك كطريقة لفهم قسوة العالم

هناك كتّاب يكتبون كتبًا، وهناك من يكتبون أفكارًا تغيّر طريقة رؤيتنا للعالم. وكان فولتير، Voltaire، واحدًا من أولئك الذين لم يكتفوا بسرد الحكايات، بل جعلوا من الكتابة مواجهة مفتوحة ضد الجهل والتعصب والخوف. لم يكن مجرد أديب أو فيلسوف من عصر الأنوار، بل كان عقلًا متمرّدًا آمن بأن الكلمة قادرة على هزّ أكثر اليقينيات رسوخًا.
وُلد سنة 1694 في Paris، في زمن كانت فيه أوروبا تعيش تحت سلطة الملوك المطلقة وهيمنة الكنيسة، وكان ثمن حرية التفكير قد يكون السجن أو النفي. لكن فولتير اختار منذ شبابه أن يسلك الطريق الأصعب؛ طريق السؤال والسخرية والتمرد على الأفكار الجاهزة.
لم يكن يؤمن بالصمت، وكان يرى أن مهمة الكاتب ليست إرضاء السلطة، بل إيقاظ العقول. لذلك دفع ثمن جرأته مبكرًا، فسُجن ونُفي أكثر من مرة، وصودرت بعض كتبه، وتعرض للملاحقة بسبب آرائه، غير أن كل ذلك لم يزد قلمه إلا حدة ولمعانًا.
ومن بين أعماله الكثيرة، ظلت رواية Candide الأكثر شهرة وانتشارًا. ليست لأنها رواية مغامرات فحسب، بل لأنها واحدة من أكثر النصوص الأدبية قدرة على تحويل السخرية إلى أداة للتفكير.
بالنسبة لي، لم يكن «كانديد» مجرد كتاب قرأته في مرحلة من حياتي، بل تجربة تركت أثرًا عميقًا في داخلي. وصلني هدية من صديق قارئ نَهِم، عاشق للأدب الفرنسي، كان يؤمن أن بعض الكتب لا تُقرأ فقط، بل تغيّر شيئًا خفيًا فينا. وربما لهذا اختار لي هذا العمل دون أن يدرك أنه سيظل يرافقني سنوات طويلة.
في الرواية، يتابع القارئ رحلة شاب بسيط يؤمن بأن العالم يسير دائمًا نحو الأفضل، قبل أن تصدمه الحياة بالحروب والكوارث والنفاق الديني وقسوة البشر. وبينما ينهار كل شيء من حوله، يواصل أستاذه الفيلسوف ترديد الفكرة نفسها: «نحن نعيش في أفضل العوالم الممكنة».
هنا تتجلى عبقرية فولتير.
فهو لا يهاجم الأفكار بشكل مباشر، بل يعرّيها بالسخرية. يجعل القارئ يضحك أولًا، ثم يدرك أن هذا الضحك يخفي أسئلة مؤلمة حول الإنسان والعالم. فالحرب التي تُقدَّم بوصفها بطولة، تكشف عن وجهها الحقيقي كمأساة جماعية، والدين حين يتحول إلى أداة للهيمنة يفقد جوهره الإنساني، أما الفلاسفة الذين ينفصلون عن الواقع فيبدون عاجزين عن فهم معاناة البشر.
وأنا أقرأ الرواية، شعرت أنني لا أرافق حكاية فقط، بل أرافق رحلة داخل هشاشة الإنسان نفسه. كان فولتير يطرح أسئلة ما تزال حاضرة إلى اليوم:
لماذا يحدث الشر؟
كيف تتحول المآسي إلى مشاهد عادية في حياة الناس؟
ولماذا يواصل البشر التمسك بالشعارات بينما ينهار العالم من حولهم؟
لم يكن يقدم أجوبة جاهزة، بل يدعو القارئ إلى التفكير والشك وإعادة النظر في المسلمات التي تبدو مستقرة ومطمئنة.
ما شدني فيه أيضًا تلك الجرأة النادرة. كان يكتب ضد التعصب وضد النفاق وضد كل سلطة تحاول خنق العقل. لم يكن يبحث عن رضا أحد، بل كان مؤمنًا بأن دور المثقف الحقيقي هو الدفاع عن حرية التفكير، حتى عندما يكون الثمن باهظًا.
غير أن أجمل ما في «كانديد» أنها لا تنتهي عند النقد والسخرية، بل تصل إلى حكمة إنسانية بسيطة وعميقة في آن واحد. فبعد كل الرحلات والخيبات، يكتشف البطل أن الخلاص لا يوجد في النظريات الكبرى، بل في العمل والحياة اليومية وما يستطيع الإنسان أن يصنعه بيديه.
الجملة الشهيرة التي يختم بها فولتير الرواية: «علينا أن نزرع حديقتنا»، تحولت إلى واحدة من أشهر العبارات في الأدب العالمي، لأنها تختصر فلسفة كاملة؛ أن نهتم بما نستطيع تغييره فعلًا، بدل أن نضيع أعمارنا في انتظار عالم مثالي لن يأتي.
وكلما بدا العالم أكثر اضطرابًا، أعود إلى هذه الحكمة الهادئة. أعود إليها لأتذكر أن الإنسان، رغم كل شيء، قادر على أن يصنع معنى صغيرًا، وجمالًا ممكنًا، وحياة تستحق أن تُعاش.
لهذا لا أستطيع الحديث عن فولتير باعتباره مجرد اسم من أسماء عصر الأنوار، بل ككاتب دخل حياتي عبر هدية صديق، ثم بقي فيها طويلًا… واحدًا من أولئك الذين لا نقرأهم مرة واحدة، بل نظل نعود إليهم كلما احتجنا إلى عقل يضيء لنا الطريق، وإلى ضحكة ذكية تساعدنا على فهم قسوة العالم.




