عفاريت مصر الجديدة..من رقّص توفيق الدقن؟

حديث بسمة/ عزيزة حلاق
عفاريت مصر الجديدة… ما زالت بيننا


منذ أيام، أعاد بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي تداول صورة قديمة للفنان المصري الراحل توفيق الدقن، مرفقة بحكاية مثيرة تزعم أنه تسبب في فضيحة داخل ملهى ليلي بشارع الهرم بعدما صعد إلى المسرح في حالة سُكر وراح يرقص شبه عارٍ.
قصة صيغت بعناية لتناسب شهية الإنترنت المفتوحة على الفضائح والإثارة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
فالصورة المتداولة لم تكن توثيقًا لواقعة حقيقية، بل مشهدًا من مسرحية “عفاريت مصر الجديدة” التي كتبها علي سالم وأخرجها جلال الشرقاوي، وهي مسرحية ساخرة تدور أحداثها مطلع السبعينيات.
تبدأ الحكاية عندما تتوجه أستاذة جامعية متخصصة في المنطق إلى قسم الشرطة للإبلاغ عن اختفاء زوجها، أستاذ القانون، بشكل غامض بعد انقطاع الكهرباء. ومن هنا تنطلق رحلة عبثية تكشف تحولات صادمة في الشخصية والمجتمع.
فالرجل الذي كان يؤمن بالقانون والعقل والنظام يعود بعد اختفائه شخصًا آخر، كأنه خرج من عالم سفلي خفي، فاقدًا إيمانه بكل ما كان يدافع عنه. يكفر بالقانون، ويسخر من القيم التي عاش يؤمن بها، ويتحول الى رجل ساخر يعيش وسط الرقص والراقصات والطبالين والمطبلينن، مستسلم للفوضى، وكأن المسرحية أرادت أن تقول إن المجتمعات حين تفقد بوصلتها يصبح التهريج أكثر نفوذًا من الفكر، ويعلو التصفيق على صوت العقل.
ولعل هذا ما يجعلها تبدو قريبة من واقعنا اليوم.
لم تكن “عفاريت مصر الجديدة” مجرد كوميديا للتسلية، بل قراءة نقدية مبكرة للتحولات الاجتماعية، وتحذيرًا من قدرة الفوضى على ابتلاع المنطق، ومن هشاشة الحقيقة حين تختلط الأوهام بالوقائع.
والمفارقة أن المسرحية نفسها كانت تناقش، بأسلوب ساخر ومؤلم، صعوبة التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين ما وقع فعلًا وما جرى اختراعه ثم تصديقه.
بعد أكثر من نصف قرن، يبدو أننا غادرنا قاعة المسرح لنجد أنفسنا داخل المسرحية ذاتها.
اليوم لم تعد العفاريت تسكن “مصر الجديدة” فقط، بل استقرت في هواتفنا الصغيرة. عفاريت الشائعات، والاجتزاء، والتضليل، والصور المنتزعة من سياقها، والأحكام الجاهزة التي تنتشر بسرعة تفوق انتشار الحقيقة نفسها.
صورة واحدة قد تكفي لإدانة إنسان.
وعنوان مضلل قادر على صناعة واقع كامل.
ومنشور كاذب قد يحصد آلاف المشاركات لأنه أكثر إثارة من الحقيقة.
في زمن السوشيال ميديا، لم يعد كثيرون يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن القصة الأكثر تشويقًا.
وهكذا يتحول عمل فني إلى “فضيحة” تحقق المشاهدات، ويتحول فنان كبير إلى مادة للسخرية، بينما تصبح الذاكرة الجماعية ساحة مفتوحة للتزييف.
والمؤلم أن أجيالًا جديدة قد لا تعرف شيئًا عن القيمة الفنية الكبيرة لـ توفيق الدقن، أحد أبرز نجوم السينما والمسرح المصري، لكنها قد تصدّق بسهولة قصة مختلقة لم تحدث أصلًا.
وتقودنا هذه الواقعة إلى مفارقة أخرى تستحق التأمل. فالذاكرة العربية احتفظت بقوة بمسرحيات مثل مدرسة المشاغبين والعيال كبرت، لما حملته من كوميديا شعبية وشخصيات محبوبة وجمل ما تزال تتردد حتى اليوم. غير أن أعمالًا أخرى، ربما كانت أكثر انشغالًا بأسئلة المجتمع والسياسة وتحولات الوعي، تراجعت إلى الهامش، ومنها “عفاريت مصر الجديدة”. وكأن الذاكرة الجماعية، هي الأخرى، تنحاز أحيانًا إلى ما يثير الضحك أكثر مما تنحاز إلى ما يدعو إلى التفكير وطرح الأسئلة المقلقة والمزعجة. لهذا تبدو “عفاريت مصر الجديدة” أكثر راهنية اليوم مما كانت عليه زمن عرضها الأول، فالمسرحية التي تحدثت عن انتصار الضجيج على التفكير، وعن سقوط العقل وسط الفوضى، تبدو وكأنها كُتبت لوصف عالمنا الرقمي الحالي.
لقد تغيّرت الأدوات فقط.
أما العفاريت فما زالت بيننا، بل تكاثرت وتناسلت، واتخذت أشكالًا جديدة أكثر خفاءً، لكنها أشد قدرة على التضليل.
وتُعد “عفاريت مصر الجديدة” واحدة من الأعمال المسرحية التي جمعت بين الكوميديا الساخرة والخيال الاجتماعي، شارك في بطولتها عدد من كبار الفنانين، من بينهم عبد الرحمن أبو زهرة وتوفيق الدقن ومحسنة توفيق.
اعتمدت المسرحية على “العفاريت” بوصفها رمزًا ساخرًا للتحولات الاجتماعية والمخاوف الجماعية، لا باعتبارها كائنات خارقة فحسب. ومن خلال المزج بين الواقعي والغرائبي، طرحت أسئلة عميقة حول الإنسان والمدينة والسلطة والخوف.
ورغم أنها لا تُذكر كثيرًا اليوم مقارنة ببعض كلاسيكيات المسرح المصري، فإنها تبقى شاهدًا على زمن كان فيه المسرح فضاءً للتفكير الجماعي، ومنبرًا لطرح الأسئلة الصعبة عبر لغة الكوميديا والسخرية.
وقد نُشرت المسرحية أيضًا في صيغة كتاب ضمن الأعمال المسرحية لعلي سالم، ما ساهم في حفظها كنص أدبي إلى جانب وجودها فوق الخشبة.
أما التسجيل المتاح لها على يوتيوب، فرغم تواضع جودته التقنية، فإنه يتيح فرصة لاكتشاف عمل يبدو اليوم أكثر معاصرة من كثير من الأعمال الجديدة.
لقد تغيّرت الخشبة، وتبدّل الجمهور، وتطورت وسائل الخداع… لكن العفاريت ما زالت تؤدي العرض نفسه.



