انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
حديث بسمة

الصحافة تصرخ: إنني أغرق… أغرق… والجميع يتفرّج

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

في تجربة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، صُمّم عبر الذكاء الاصطناعي مشهدٌ لمركب صغير يضم أربعة أشخاص: طبيب، جندي، معلمة، وصحفي… ثم طُرح سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، قاسياً في معناه: إذا كان إنقاذ المركب يقتضي التضحية بشخص واحد، فمن تختار؟

المفاجأة لم تكن في السؤال، بل في الإجابات. أغلب المشاركين اختاروا الصحفي دون تردد. والأكثر قسوة أن التبريرات جاءت جاهزة، غاضبة، وحاسمة: “لأنه لم يعد يؤدي دوره، لم يعد يفضح الفساد ولا ينوّر الرأي العام، بل صار عنواناً للابتزاز والتشهير”، “لأنه يلهث خلف التفاهة”، “لأنه يهتم بحياة التافهين أكثر من العلماء والمبدعين”… إلى آخر تلك الأحكام القاسية التي تكشف حجم الغضب وفقدان الثقة.

وبعيداً عن العاطفة، لا يمكن إنكار أن صورة الصحافة اهتزّت في السنوات الأخيرة. جزء من الإعلام فقد بوصلته، واستسلم لمنطق الإثارة والسبق السريع وعدد المشاهدات. اختلطت المهنة بالاستعراض، وتحول بعض من يُفترض أنهم صحفيون إلى صناع ضجيج يقتاتون على الفضائح، ويطاردون التفاصيل السطحية، بينما تتراجع القضايا الكبرى إلى الهامش.

كما تراجعت قيم أساسية كانت تشكل روح العمل الصحفي: الموضوعية، والحياد، والغيرة الحقيقية على المهنة وأخلاقيتها. فبدل أن يكون الصحفي شاهداً ينقل الوقائع بمسافة مهنية، صار بعضهم طرفاً في الصراع، يكتب بعاطفة الانتماء أو الحسابات الشخصية، لا بروح البحث عن الحقيقة. ومع الوقت، بدأ الجمهور يفقد ثقته ليس فقط في بعض الأسماء، بل في الفكرة نفسها: فكرة الصحافة كسلطة أخلاقية ومعرفية مستقلة.

وحلّت محل نبل المهنة مصطلحات دخيلة ومسيئة، مثل: “التطبيل”، و”التنكيف”، و”التشهير”، و”المعاطية”، بين من “مع” ومن “ضد”. تميّعت أخلاقيات المهنة، واختلط النقد بالتصفية، والخبر بالاستعراض، حتى صار كثيرون عاجزين عن التمييز بين الصحافة الحقيقية والفوضى الرقمية التي تتخفّى أحياناً باسمها.

لكن السؤال الأعمق هنا: هل سقط الصحفي وحده، أم سقطت معه نظرة المجتمع إلى المعرفة والحقيقة والوعي؟

حين يختار الناس التضحية بالصحفي أولاً، فهم لا يعاقبون شخصاً بعينه، بل يعلنون، ربما دون وعي، فقدان الثقة في الكلمة نفسها. وهذا أخطر من أزمة مهنة. لأن المجتمع الذي يحتقر الصحافة، أو يراها بلا جدوى، يصبح أكثر هشاشة أمام الإشاعة والتضليل والتفاهة التي يشتكي منها أصلاً.

فالصحافة الحقيقية لم تكن يوماً مهنة ترف. كانت دائماً خط الدفاع الأول عن الوعي. هي من تكشف الفساد، وتوثق الألم الإنساني، وتنقل صوت المهمشين، وتحفظ ذاكرة المجتمعات من النسيان. وفي اللحظات الكبرى من التاريخ، كان الصحفيون غالباً أول من يصل إلى مناطق الحرب والكوارث، وآخر من يغادر.

المشكلة إذن ليست في وجود الصحافة، بل في تشويه معناها. فكما يوجد طبيب بلا ضمير، وسياسي فاسد، ومعلم فقد رسالته، يوجد أيضاً صحفي خان المهنة. لكن أحداً لا يطالب بإلغاء الطب أو التعليم بسبب نماذج سيئة. وحدها الصحافة تبدو اليوم وكأنها تُحاكم جماعياً.

ربما لأن الصحفي صار مرآة لزمن مرتبك. زمن تتراجع فيه القيم الهادئة لصالح الضجيج، ويصبح “الترند” أقوى من الحقيقة، والصورة أسرع من التفكير، والانفعال أعلى صوتاً من الحكمة.

ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن المجتمعات التي تتخلى عن الصحافة النزيهة، تشبه مركباً يسير في البحر بلا بوصلة. قد يواصل الإبحار لبعض الوقت، لكنه يفقد تدريجياً قدرته على رؤية الاتجاه.

المؤلم في تلك التجربة الافتراضية ليس اختيار الصحفي فقط، بل ذلك الإحساس الجماعي بأن وجوده لم يعد ضرورياً… وهنا تكمن الخسارة الحقيقية.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا