أكتب لأبقى.. حكاية نص وُلد من وجع

حديث بسمة: عزيزة حلاق
لم تبدأ حكايتي مع مرض “السياتيك” من كتاب طبي، بل من وجعٍ باغتني وأربك تفاصيل أيامي. ألمٌ فظيع في أسفل الظهر، سرعان ما امتد كخيطٍ مشدود على طول الساق، جعلني أُلازم السرير لأكثر من شهر، أعدّ الأيام وأراقب جسدي كأنني أتعرف إليه لأول مرة.
في خضم هذه المعاناة، لم أكتفِ بتناول الأدوية أو البحث عن تمارين تُخفف الألم، بل وجدت نفسي أطرح سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في معناه: لماذا يُسمى هذا المرض “عرق النسا”؟ وهل له علاقة بالنساء فعلًا، مع أنه يُصيب الرجال أيضًا؟
هكذا بدأت رحلة أخرى، موازية للألم، رحلة في اللغة والمعنى. اكتشفت أن كلمة “النَّسا” في العربية لا علاقة لها بالنساء، بل تشير إلى العِرق الممتد في الساق، وهو ما يُعرف طبيًا بـ”السياتيك”، أطول عصب في جسم الإنسان. عندها بدا الاسم أكثر دقة مما كنت أظن؛ فهو وصف للألم، لا تصنيف لمن يُصاب به.
لكن التجربة لم تكن لغوية فقط، بل كانت مراجعة شاملة لنمط حياتي. كل حركة أصبحت تُدرَس بعناية، كل مجهود يُحسب. تعلمت أن الجسد لا يغفر الإهمال، وأن التفاصيل الصغيرة، طريقة الجلوس، الوقوف، حتى النوم ، أصبحت تفرض قواعدها، ويمكن أن تكون الفارق بين راحة وألم.
تنقلت بين العلاجات: أدوية طبية، وصفات تقليدية، تمارين تمدد وترويض. بعضها خفّف، وبعضها لم يفعل. لكن الأثر الحقيقي كان في الوعي الذي تشكّل، أن الشفاء ليس مجرد زوال الألم، بل فهم أسبابه، وتغيير ما قاد إليه، ومحاولة تفاديه.
لكن الأجمل في الحكاية أن هذه المحنة الصحية القاسية تحوّلت إلى منحة. ففي تلك الأيام الثقيلة، حين ضاق الجسد واتسع الوقت، وجدت في الكتابة ملاذًا ومقاومة. استغللت فترة المرض لأكتب، لأعيد ترتيب أفكاري، لأمنح الألم معنى. وهكذا وُلد كتابي “أكتب لأبقى”، كأن الكلمات كانت طريقتي الخاصة للوقوف من جديد، حتى وأنا طريحة الفراش.
اليوم، حين أستعيد تلك المرحلة، لا أراها فقط كفترة مرض، بل كبداية أخرى. علّمتني تجربتي مع “السياتيك” أن الألم قد يكون بوابة للمعرفة، وأن السكون القسري قد يفتح بابًا للإبداع. أحيانًا، ما نعتقده نهاية، يكون في الحقيقة بداية أكثر عمقًا… وأبقى.
صحيح أن الألم لم يغادر تمامًا. ما زال هناك، يطلّ بين حين وآخر، وإن لم يعد بتلك الحدة التي أرغمتني يومًا على ملازمة السرير. لكنه صار ألمًا أعرفه، وأعرف كيف أُفاوضه، كيف أضع له حدوده حتى لا يستبيح يومي.
أشعر أحيانًا أن الكتاب نفسه صار جزءًا من العلاج؛ يُخفف وطأة الوجع، لا لأنه يُلغيه، بل لأنه يمنحه معنى. فما كان مجرد معاناة جسدية، صار أثرًا مكتوبًا، وصار دليلًا على يقيني بأننا قادرون، حتى في لحظات الانكسار، على أن نصنع من الألم شيئًا يشبه الفرح.
وغدًا، الجمعة فاتح ماي 2026، أحتفل للمرة الأولى بهذا المولود، ليس فقط ككتاب، بل كتجربة حياة خرجت من رحم الألم.
فقد خصصت له فقرة ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب، لحظة للتوقيع، وللقاء الأصدقاء والقراء، ولتقاسم حكاية بدأت بوجع… وانتهت بنصٍّ يقاوم ليبقى.


