انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
إعلام

الى “الشريف”، محمد الشهبي العلوي

هذا ليس رثاء...بل تحية عبور

بقلم: نزار لفراوي

“ستنسى كأنك لم تكن..”

ولا أظنك انتظرت شيئا خلاف ذلك من حياة خبرتها جيدا. فقد تبادلنا خبر موتك برسائل واتساب وتواسينا بعبارات عزاء مقتضبة، ثم واصلنا يومنا الطبيعي..وحين احتدمت أطوار مباراة المنتخب في الكأس الافريقية كنا قد نسيناك..تقريبا.

مررت قرب مقهى الحي المفضل “جوهر”. كان محتشدا بالمتفرجين. زاويتك المفضلة فارغة. سيشغلها زبون طارئ لا يعرف عن كينونة خاصة تركت بعضا منها في المكان. نادلك “أومانا” لم يكن موجودا، هو الذي استودعته فنجانك الأميري الخاص الذي ترتشف منه مشروبك المفضل: “سيباري”..لا تقولها أنت، بل النادل بصوت مرتفع ليسمعها “مول البريسة”، بينما تكون قد فرشت على الطاولة صحفك التي تحمي ورقها في كيس بلاستيكي.

مررت بشارع المغرب العربي الذي ظللت تذرعه صباحا ومساء منذ أزيد من عشرين عاما. يلوح في ليله الممطر طيفك بكامل الوضوح. تمر بخطو سريع، متأنقا لمساء احتفالي ببذلة بيضاء و “بابيون” أحمر أو قافلا من طقس مشيك اليومي، تملأ صدرك بهواء البحر وعبق السويقة والأوداية.

سيتساءل عن غيابك صياد الساحل الصباحي، أنت الذي داومت على سباحة مبكرة في كل الفصول، وفي الشاطئ الصخري الذي لا يؤمه المستجمون. ترطب جسمك النحيل منتشيا بفرحة طفل في صهريج الحمام، ويلتقط لك عابر مجهول صورا تنشرها على الفايسبوك، ثم تقصد البيت محملا بكيلو سردين “يفركل” وعبوة حليب وخبزة.

كنت تمشي جل الوقت، وتقرأ الصحف وكتب الشخصيات والمدن، وتحكي لمن يهبك سمعا وقلبا عن مغامرات واستيهامات لا نمحص حقيقتها، لأنه لا حقيقة فوق حقيقة السرد. تفعل ذلك لتشد عضد كائن وحيد اختار أن يعيش سعيدا بتقمص دور السعادة. كان دورا قاسيا يحتاج تدريبا يوميا على الابتسامة والتأنق ولزوم موقع الأنفة بينما أصدقاؤك القليلون من يعرفون أي عراء وهشاشة تقوض همتك السامقة في حب الحياة. والحق أن حظك الوحيد كان شهامة هؤلاء الذين كانوا في الموعد حين خذلك جسد أثخنه الزمن ولم تعد المكابرة كافية للقفز على السياج. استنزفت الحياة واستنزفتك أيها الهائم في ثوب أمير خارج البلاط.

سأمر على بائع الصحف، الروبيو، لعله يحدثني عما لا أعرفه من سيرتك. فالروبيو خازن المحكيات المحجوبة عن شخصيات الرباط، وخصوصا من مرتادي شارع محمد الخامس. ونحن ننتظر رحيل الناس لنعرفهم. أنت عرفتني على سير كثيرين من أصدقائك المعروفين من الصحفيين والكتاب الذين رحلوا قبلك. شيعتهم واحدا بعد الآخر، حتى انفردت بذاكرة جيل كامل لم تكتب. تساءل صديقنا الجميل أحمد الطاهري إن كنت قد دونت مذكراتك. لا أرجح ذلك. فالأسطورة لا تكتمل الا بالنقصان. والغموض الذي حميته طويلا في مغارتك الأفلاطونية حري بأن يرافقك في سفرك الأخير.

موتك ينطوي على التباس مضاعف. فقد كنا أصلا نعدك شخصية روائية مفارقة لا تشاركنا العيش إلا حاشية كينونة أوسع. كنا نطرح سؤالا أتأمل فيه اللحظة وأجده غريبا: كيف يقدر الشهبي على الاستمرار في العيش؟. هل العيش صعب الى هذا الحد؟

لم أسأل عن أحوالك متعمدا. لم أزرك حين رقدت رقدتك الأخيرة، لأني خمنت أثناء لقائنا بعد الوعكة الأولى أن صفحة تطوى ولا جدوى من مشاعر تنبض في الوقت الضائع. شربت عصيرا وخانتك دمعة…ثم ابتسامة حين مازحتك: “انتظرنا موتك، فإذا بك تعود لتشرب الباناشي”.  أستعيد الآن سيرة اتصالك الهاتفي الأخير بعد نجاتك المؤقتة. كانت مفاجأة إذ لم يكن الهاتف عرفا بيننا. كنا نلتقي بصدفة متكررة أو حدس مدرب. تعرف مكاني وأعرف مكانك. ناكفتك كالعادة: ألم تمت بعد؟. ضحكت وقلت بجدية غير معهودة وقد أثقل المرض لسانك: راك عزيز…راك عزيز…

هذا ليس رثاء…بل تحية عبور

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا