فاجعة فاس: حين ينهار المستقبل…من نحاسب؟

حديث بسمة/ عزيزة حلاق
من فرحة استقبال مولود جديد إلى مأتم جماعي… هكذا انهار “المستقبل” تحت وطأة الفساد والإهمال.
في فاس، لم تكن فاجعة ليلة أمس مجرد حادث عرضي. كان انهيارًا جسديًا ورمزيًا في آن واحد. ففي حي يحمل اسم “المستقبل”، انهارت بنايتان حديثتا العهد، لا يتجاوز عمرهما عشرين عامًا، يسكنهما ثماني أسر ، فحوّلتا الزغاريد إلى صرخات، وفرحة استقبال مولود جديد إلى ليلة نواح.
حتى الآن، بلغ عدد القتلى 22 شخصًا بينهم أطفال، فيما أصيب 16 آخرون بجروح متفاوتة الخطورة.، وما زال البحث جارياً عن عالقين تحت الركام.
لم يكن الركام وحده هو ما سقط، بل شعور الأمان ذاته انهار. لحظة تحولت الزغاريد إلى صرخات، بدت فيها المدينة كلها تختنق بالسؤال ذاته: كيف يتحول بيت يعج بالحياة والفرح إلى مقبرة في ثوانٍ؟ أي خلل هذا الذي يجعل “المستقبل” ينهار فوق رؤوس أهله؟
وما يزيد الجرح عمقًا أن الفاجعة لم تقع بين جدران قديمة أو في حي عشوائي، بل في بنايات حديثة كان يُفترض أن تصمد لعقود. وهنا لا يتعلق الأمر بالهندسة وحدها، بل بالأخلاق قبل كل شيء:
هل الأساسات هشّة؟ هل المواد رديئة؟ هل أضيفت طوابق خلسة بمواد مغشوشة؟
انهيار بنايتن من النوع نفسه وفي الحي نفسه يشير إلى خلل أعمق من مجرد خطأ فردي. قد لا يكون الأمر حادثًا منعزلاً، بل خللًا بنيويًا في نسيج عمراني كامل، كقنبلة موقوتة تنتظر الانفجار. هل خضعت التربة للفحص فعلاً؟ هل كانت المراقبة ميدانية وصارمة؟ ومن المسؤول عن رخص البناء التي تهاوت أسرع من الأسمنت نفسه؟
وما يزيد الجرح عمقًا، والفاجعة ألمًا هو الخيط الخفي الذي يربط كثيرًا من هذه الكوارث: الفساد و”سياسة عين ميكة”. يكفي أن تُغضّ الرقابة طرفها لحظة واحدة أو تُمرَّر مخالفة صغيرة، ليصبح حي كامل مهددًا. رغم أن الوثائق قد تبدو سليمة، إلا أن الواقع يكشف خللاً كبيرًا: رخص تمنح بسهولة، رقابة تتساهل بقهيوة وتدويرة، وعيون تُغلق عن أخطاء كان يمكن أن تمنع انهيارًا كهذا.
السؤال العاجل: أين يبدأ الخلل؟ في الأساسات؟ في المواد؟ في الطوابق الإضافية؟ في رقابة أصبحت مجرد توقيعات على مكاتب دون أن تلمس أرض الورش؟ ومن نحاسب؟
حين ينهار مبنى حديث، فهذا ليس خللاً فرديًا، بل مؤشر خطر يهدد النسيج العمراني كله. والمقلق أكثر أن البنايتين المنهارتين تنتميان إلى نفس النمط داخل نفس الحي، ما يجعل احتمال تهديد باقي البنايات حقيقيًا وداهمًا. هل ستكتفي السلطات بتأمين محيط الانهيار، أم ستذهب لتقييم شامل قبل أن نحصد ضحايا جدد؟
المفارقة المؤلمة أن اسم الحي هو “المستقبل”، بينما ما حدث يكشف غياب أي رؤية مستقبلية في التعمير، المراقبة، والمحاسبة. ما حدث لم يكن فيه أي شيء يوحي بالمستقبل، لا في البنايات، ولا في الرقابة، ولا في مساءلة المسؤوليات. وكما في كل مرة، تُصدر البيانات الرسمية بلغة تقنية جافة، ثم يخفت النقاش العام تدريجيًا… لكن هذه المرة، ومع انهيار بنايات لم تكمل حتى ربع قرن من عمرها، يصبح الصمت تواطؤًا، والهروب من الأسئلة جريمة.


