انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
أسماء لا تُنسى

وراء نوبل… إنسان

توقفت اليوم عند خبر الطبيبين الفائزين بجائزة نوبل في الطب، لكن ليس بسبب الجائزة وحدها، ولا لأنهما وصلا إلى واحدة من أرفع مراتب التكريم العلمي. ما شدني أكثر هو القصتان اللتان تقفان خلف الاكتشاف: قصتان تقولان إن نوبل ليست هي الحكاية الحقيقية، بل الإنسان الذي وقف خلفها، والأسئلة التي حملها معه، والأشخاص الذين ساعدوه على ألا يطفئها.

أحيانًا لا تبدأ أعظم الحكايات من مختبرات ضخمة، ولا من جامعات عريقة، ولا من منصة تتوج أصحابها. أحيانًا تبدأ من سرير مستشفى. وأحيانًا من عيادة طبيب نفسي.

العالم جورج ناجل كان طفلًا في الخامسة حين أصيب بمرض شديد في العظام، ودخل مبكرًا عالم المستشفيات والعلاج والعمليات، في وقت كان فيه أقرانه يركضون ويلعبون ويعيشون طفولة مختلفة.

كان يمكن للمرض أن يصبح عنوان طفولته كلها.

لكن والديه لم يسمحا له بأن يرى نفسه من خلال مرضه.

بدل أن يكتفيا بالقلق عليه، فتحا أمامه بابًا آخر: الفضول. قدما له أدوات للفك والتركيب، وألعابًا علمية، وقطعًا يصنع بها محركات وأجهزة راديو. لم يكن السؤال فقط: كيف نعالجه؟ بل، بطريقة غير مباشرة: كيف تعمل الأشياء؟

ربما لا نعرف متى يتحول سؤال طفل إلى مشروع حياة. لكننا نعرف أن ذلك الفضول قاده إلى العلم، وأن أبحاثه أسهمت في تطوير تقنيات مكنت العلماء من التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء، وفتحت آفاقًا جديدة لفهم الدماغ.

أما كارل ديسيروث، الطبيب النفسي وعالم الأعصاب، فقد بدأت قصته من مكان آخر: من الإنسان الذي يتألم.

رأى مرضى يعانون من اضطرابات نفسية وعصبية، ولامس حدود ما يستطيع الطب أن يقدمه في بعض الحالات. وكان يمكن للعجز أمام بعض الأمراض أن يكون نهاية الطريق.

لكنه جعله بداية لسؤال.

كيف تتواصل خلايا الدماغ؟ كيف يمكن معرفة الخلية المرتبطة بسلوك أو إحساس معين؟ وهل يمكن أن نصل إلى هذا العالم شديد التعقيد بطريقة تمكننا من فهمه والتدخل فيه؟

من هذه الأسئلة جاءت إسهاماته البارزة في تطوير علم البصريات الوراثية، الذي أتاح للعلماء التحكم في خلايا عصبية محددة بواسطة الضوء، وفتح آفاقًا واسعة أمام دراسة الدماغ والأمراض العصبية والنفسية.

لكن ما شدني في ديسيروث ليس العالم الذي يقف في المختبر فقط، بل الأب الذي يعود إلى بيته، ويشارك في تفاصيل الحياة اليومية، حتى في إعداد وجبات أطفاله المدرسية.

يا لها من صورة إنسانية جميلة!

رجل يحاول أن يفك ألغاز أكثر أعضاء الإنسان تعقيدًا، ثم يعود إلى تفاصيل صغيرة وبسيطة تجعله، قبل كل شيء، إنسانًا وأبًا.

هنا تلتقي القصتان.

ناجل يذكرنا بأن المرض لا ينبغي أن يصبح هوية الطفل.

وديسيروث يذكرنا بأن الألم الذي نراه أمامنا قد يتحول، أحيانًا، إلى سؤال يبحث عن جواب.

لكن الأهم أن القصتين لا تقولان لنا إن كل طفل مريض سيصبح عالمًا، أو إن كل معاناة ستتحول إلى اكتشاف. سيكون ذلك تبسيطًا قاسيًا للحياة.

الرسالة أعمق وأبسط:

لا أحد يعرف إلى أين يمكن أن يقود سؤال صغير، أو تجربة مؤلمة، أو شغف بسيط، إذا وجد صاحبه من يؤمن به.

لذلك، لا تستعجلوا الحكم على البدايات.

فليس المطلوب أن نصنع من كل طفل عبقريًا، ولا أن نحول كل ألم إلى قصة نجاح.

المطلوب فقط ألا نمنع الطفل من اكتشاف من يمكن أن يصبح.

جورج ناجل لم يبدأ من مختبر نوبل، وكارل ديسيروث لم يبدأ من منصة التكريم.

أحدهما بدأ من طفل يسأل كيف تعمل الأشياء، والآخر من طبيب يريد أن يفهم معاناة مرضاه.

وبين السؤال والجواب، وبين الألم والمعرفة، قطعا مسافة طويلة.

أما نحن، كآباء وأمهات ومربين ومجتمع، فربما لا نملك أن نعرف إلى أين ستقود الحياة أبناءنا.

لكننا نملك شيئًا مهمًا جدًا:

ألا نطفئ فيهم السؤال.

 

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا