لا تسألوا فرح كيف عبرت البحر… بل اسألوها لماذا عبرته؟

الانتخابات… موسم الهجرة نحو الشمال

حديث بسمة/ عزيزة حلاق
اسألوا فرح… عن معنى الفرح!
لا تسألوها عن الأمواج، ولا عن برودة الماء، ولا عن الخوف الذي رافقها وهي تشق البحر نحو سبتة. اسألوها عن اللحظة التي اقتنعت فيها بأن احتمال الغرق أقل قسوة من احتمال البقاء.
عندما خرجت الشابة المغربية فرح إلى شاطئ سبتة رافعة شارة النصر، لم أرَ فتاة تحتفل بإنجاز، بل رأيت وطنًا يقف أمام مرآة موجعة. لم تكن تلك الصورة إعلانًا عن انتصار، بقدر ما كانت شهادة مؤلمة على هزيمة جماعية؛ هزيمة تجعل مجرد الوصول إلى الضفة الأخرى يبدو، في أعين كثيرين، وكأنه الفوز بميدالية ذهبية.
المأساة ليست في البحر وحده، بل في الطريق الذي يدفع شابة في مقتبل العمر إلى اعتباره أرحم من اليابسة. فحين يصبح عبور البحر حلمًا، ويصبح النجاة منه إنجازًا، فإن السؤال الحقيقي لا يعود: كيف وصلت؟ بل: ماذا حدث حتى شعرت أن مستقبلها ينتظرها في الضفة الأخرى، لا في وطنها؟
ليست فرح وحدها من عبرت البحر، بل عبر معه سؤال ثقيل: أي واقع هذا الذي يجعل مئات الشباب في عمر الأمل يراهنون على المجهول، وهم يدركون أن الأمواج قد تبتلعهم في أية لحظة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل خطاب انتخابي، وكل وعد سياسي، وكل حديث عن المستقبل.
تتعطل اللغة عن التعبير. ماذا يمكن أن نقول ونحن نشاهد موجة جديدة من الشابات والشبان المغاربة، بمختلف أعمارهم، يختارون البحر طريقًا إلى المجهول، فيما تنشغل الأحزاب بالتحضير للانتخابات التشريعية، وتتبارى في توزيع التزكيات، واستقطاب الأعيان وأصحاب الشكارة، وإطلاق الوعود والخطب المملة؟
أي مفارقة أكبر من هذه؟
كيف تتزامن معارك التزكيات، والحروب الكلامية بين الأحزاب، والانشغال بحسابات المقاعد والتحالفات، مع مشاهد مئات الشباب وهم يفرون سباحةً من وطنهم؟ وكيف تتحول القضايا التي تشغل الطبقة السياسية إلى سجالات بعيدة عن هموم المواطن، في وقت يبعث فيه هؤلاء الشباب، بأجسادهم الملقاة على أمواج البحر، برسالة أكثر بلاغة من كل الخطب والبرامج الانتخابية؟
إنها ليست مجرد هجرة سرية، بل تصويت قاسٍ باليأس، وإعلان صامت عن انكسار الثقة في المستقبل. فعندما يصبح البحر، بكل ما يحمله من أخطار، أكثر إغراءً من اليابسة، فذلك يعني أن الأزمة لم تعد اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل أصبحت أزمة أمل، وأزمة سياسات، وأزمة قدرة على إقناع الشباب بأن لهذا الوطن مكانًا يتسع لأحلامهم.
أي خطاب انتخابي يمكن أن يقنع شابًا يرى في البحر فرصة، وفي اليابسة انسدادًا؟
هل هي أزمة ثقة؟ أم أزمة تنمية؟ أم أزمة عدالة اجتماعية؟ أم أنها، ببساطة، أزمة أفق؟
كيف تصبح سبتة المحتلة، المدينة التي يطالب المغرب باسترجاعها منذ عقود، بوابة للنجاة في نظر آلاف الشباب؟
وكيف يتحول البحر إلى خيار أقل قسوة من الواقع؟
لا أحد ينكر أن المغرب يعيش أوراشًا كبرى، واستثمارات ضخمة، ومشاريع واعدة. لكن السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه هو: لماذا لا يشعر جزء كبير من هذا الجيل بأنه شريك في هذه التحولات؟ ولماذا لا يرى مكانًا له داخل هذا المستقبل الذي نتحدث عنه؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد هجرة جماعية، بل رسالة صامتة تقول إن شيئًا عميقًا انكسر بين الشباب ووطنهم. فالوعود، مهما تكررت، تفقد قيمتها عندما تصطدم بواقع البطالة، والهشاشة، وضعف الأجور، واتساع الفوارق، وانسداد سبل الارتقاء الاجتماعي.
إنها أزمة آفاق… أزمة جيل لا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط أن يحلم، وأن يعمل، وأن يعيش بكرامة.
لا ألوم فرح، ولا ألوم آلاف الشباب الذين خاطروا بحياتهم. فمن يختار البحر، وهو يعرف أنه قد لا يعود، لا يبحث عن مغامرة، بل يهرب من واقع أقنعه بأنه لم يعد يملك ما يخسره.
المؤلم في الصورة لم يكن عبور فرح، بل شارة النصر التي رفعتها. لأنها تعني أن مجرد الوصول إلى الضفة الأخرى أصبح انتصارًا.
وهنا تكمن المأساة. ليست انتصارا ..إنها هزيمة..
ليست هزيمة هؤلاء الشباب، بل هزيمة سياساتٍ لم تستطع أن تجعل البقاء في الوطن حلمًا أجمل من الرحيل عنه.
إنها هزيمة كل من ظن أن أرقام الإنجازات، مهما بدت براقة، تكفي لإقناع الناس، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تعوّض الإصغاء إلى نبض المجتمع، وأن إعلامًا يصفق ويجمّل الواقع قادر على حجب الحقيقة المرة التي يعيشها المواطن كل يوم.
الحقيقة لا يصنعها الخطاب، بل تصنعها حياة الناس. وعندما يختار شاب أو شابة أن يخاطرا بحياتهما في البحر، فإنهما يوجهان سؤالًا أكبر من كل البرامج الانتخابية، وأبلغ من كل الخطب: لماذا أصبح الوطن مكانًا يُغادر، بدل أن يكون مكانًا للحلم؟
وقبل أن تبدأ الأحزاب حملاتها الانتخابية، وقبل أن يطلب المرشحون أصوات الشباب…
اسألوا فرح…
اسألوها عن معنى الفرح.
فقد تكون إجابتها أصدق من آلاف الخطب، وأبلغ من كل الوعود الانتخابية.


