انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

من مقهى قرب مركز الامتحان..في انتظار ابني..

بقلم: ميمونة الحاج داهي

هذا الصباح أوصلت ابني إلى مركز امتحان البكالوريا، أعرف أن آلاف الأمهات والآباء فعلوا الشيء نفسه اليوم، لكن لكل رحلة حكايتها الصغيرة التي لا يراها أحد.

ابني يدرس في ثانوية خاصة، ولذلك لم يتوجه إلى المؤسسة التي قضى فيها سنته الدراسية، ولم يجلس في القسم الذي يعرف نوافذه ومقاعده وأصواته، ولم يعبر البوابة التي اعتاد دخولها كل صباح. كان عليه أن يقصد مؤسسة أخرى، بعيدة عن بيته، بعيدة عن عاداته، وبعيدة حتى عن ذاكرته.

أما أنا، فقد وجدت نفسي أقود السيارة في اتجاه حي لم أزره من قبل، أراقب شاشة الهاتف أكثر مما أراقب الطريق، وأتبع سهما أزرق صغيرا على تطبيق للخرائط كأنني أتبع خيطا رفيعا وسط متاهة مدينة أعرفها ولا أعرفها في الآن نفسه.

وللمرة الأولى خطر لي أن الامتحان لا يبدأ عند باب المؤسسة، يبدأ قبل ذلك بكثير.

يبدأ من ساعة الاستيقاظ، ومن القلق الذي يسبق المنبه، ومن الخوف من أن تتعطل سيارة، أو تتأخر حافلة، أو يخطئ أحدهم منعطفا واحدا في طريق لم يمر منه من قبل.

وصلنا قبل الموعد بقليل. نزل ابني من السيارة حاملا أدواته وقلقه وآماله، مثل آلاف التلاميذ الذين يراهنون في هذه الأيام على سنوات طويلة من الاجتهاد. تابعته بعيني وهو يعبر بوابة المؤسسة ثم اختفى بين الجموع. عندها فقط شعرت بذلك الفراغ الذي تعرفه كل أم في مثل هذه اللحظات؛ لحظة تدرك فيها أن ما كان بوسعها فعله قد انتهى، وأن الباقي أصبح بين يدي ابنها وقدره.

أجلس في مقهى قريب أنتظر انتهاء حصة العلوم الفيزيائية. المكان يعج بآباء وأمهات يشبهونني. بعضهم يتابع الوقت كل بضع دقائق، وبعضهم يحاول إقناع نفسه بالهدوء، وبعضهم يتظاهر بالانشغال بهاتفه بينما ذهنه كله مع ابنه أو ابنته داخل قاعة الامتحان.

هناك، بين فنجان قهوة يبرد ببطء وأسئلة تسخن في رأسي، وجدت نفسي أفكر في أمور أكبر من ابني ومني.

أفكر في هذا البلد الذي يخاف من الثقة أكثر مما يخاف من الشك.

فالتلميذ الذي قضى إثنتي عشرة سنة في مؤسسة مرخص لها من الدولة، وخضعت للمراقبة والتفتيش واعترفت بها القوانين، يصبح فجأة في يومه الثالث عشر مطالبا بمغادرة فضائه الطبيعي يوم الامتحان، كأن سنوات الاعتراف كلها تتوقف مؤقتا أمام لحظة واحدة اسمها البكالوريا.

ولست هنا أناقش قرارا إداريا بعينه، أنا أتأمل فكرة،،،الفكرة التي تجعلنا نميل دائما إلى بناء الجدران قبل بناء الثقة.

نحن لا نعالج الاحتمال السيئ عندما يقع، بل نبني السياسات كلها على أساس أنه سيقع حتما، نضع المواطن أمام الشبهة قبل أن نمنحه الثقة، ونتعامل مع المؤسسة كما لو أنها مطالبة بإثبات براءتها باستمرار.

وربما لهذا السبب لا يقتصر الأمر على التعليم، ففي كثير من تفاصيل حياتنا العامة تحول الشك من وسيلة احتراز إلى طريقة تفكير.

ولهذا لا نستثمر كثيرا في بناء الثقة، لأننا منشغلون دائما بإدارة الريبة.

في هذه اللحظة لا أفكر في ابني وحده، أفكر في معنى أعمق، إذ لا يمكنني أن أقيس بلدي بعدد المدارس التي يبنيها، ولا بعدد القوانين التي يصدرها فقط، بل أيضا بمقدار الثقة التي ينتجها بين مؤسساته ومواطنيه.

الثقة ليست كلمة أخلاقية جميلة، الثقة سياسة عمومية، الثقة رأسمال غير مرئي.

الثقة هي ذلك الشعور الرصين الذي يجعل المواطن مطمئنا إلى أن الدولة لا تنظر إليه بعين الارتياب، وتجعل الدولة مطمئنة إلى أن مؤسساتها تستحق الاعتراف الذي منحته لها.

أما حين تصبح الريبة هي الأصل، فإننا ندخل في دائرة لا تنتهي من الإجراءات والقيود والاحتياطات، دون أن نقترب كثيرا من جوهر المشكلة.

وعندما يخرج ابني من الامتحان بعد ساعات، سيحمل أسئلة الفيزياء التي واجهها داخل القاعة، أما أنا سأظل أحمل سؤال آخر:

كم من السياسات عندنا تُبنى على الخوف من الخطأ، وكم منها تُبنى على الثقة في الإنسان؟

..تحضرني كلمة أظنها لفرانسيس فوكوياما  “الثقة هي أهم رأسمال اجتماعي تملكه الأمم.” ..لا تؤاخذوني إن نسيت أو أخطأت اسم صاحب المقولة، فإن نصفي هنا و نصفي الآخر في قاعة الإمتحان..متمنياتي لأبناء المغرب جميعا بالتفوق والنجاح و مستقبل أجمل من حاضرنا.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا