الراحلة ثريا حسن ثورية الركح التي عصت السلط

بقلم: فتيحة النوحو


في عرف سلط العفة والضبط، السفور فجور، والجهر بالكلام من علو حتى لو كان من خشب عصيان، فكيف لطفلة مغربية وهي في ربيعها الثالث عشر أن تقف في وجه هذين الجلمودين عام 1950؟
إنها الفنانة ورائدة المسرح المغربي الراحلة ثريا حسن -او ارحيمو الناصري “اسمها الحقيقي”- التي يمكن اعتبار اختيارها الحياتي انفلاتا استباقيا ليس في زمنها فقط بل حتى في عصرنا، فناهيك عن رفضها اللباس الحاجب الذي سجنت فيه النساء آنذاك والذي تسبب في طردها من المدرسة، وفضلا عن وقوفها على المسرح الى جانب فرقة رجالية وصمودها أمام سلطة الباشا، فإنها صممت تضمين عقد زواجها شرطا متفردا لم يسجل في أي عقد قران حتى يومنا هذا.
فمن هي ثريا حسن؟ كيف قادت ثورة الاستثناء عزلاء الا من موهبتها وتمنعها؟
متمردة الواحة
امسكت ثريا حسن بيد الأب النادم في الشارع العام بمدينة تطوان المحافظة جدا لتجعل منها دليلها نحو معارج معبد الركح منذ أن كان عمرها ثلاثة عشر ربيعا حين كانت في طريقها إلى مدرسة تكوين الممرضات، ليوقفها احد أعضاء فرقة مسرحية عارضا عليها أن تلتحق بفرقتهم بمدرسة المدرسين، وقادها فضولها لاكتشاف هذا العالم الذي تجهله تماما وذلك بزيارة لمدرسة حيث تقوم فرقة “الواحة للتمثيل” بالتداريب، فكانت بداية معانقتها للخشبة من خلال مسرحية “الأب النادم” التي قدمت بمسرح اسبانيول بتطوان أمام جمهور ذكوري بامتياز مذهول إلى حد الصدمة بحضور فتاة يافعة باذخة الانوثة في فضاء لا يواري فقط الحريم بل يئده بالغياب التام.
كان رد الفعل قويا خاصة أن كل الناس استوقفتهم صورتها غير الاعتيادية على أفيشات المسرحية لتسيل ليس فقط المداد في الصحافة المحلية والأجنبية بل اطلقت العنان للألسن المسيئة والمضايقات التي لم تنل من عشقها الأول والأخير، وبذلك تكون المرأة الوحيدة التي وقفت على الركح سنة 1950 مع فرقة رجالية، مما أثار الكثير من الاستياء فبدأت السكاكين بشحذ سمومها.
مراوغة السلطة
كان لا بد لفرقة الواحة أن تراوغ لاستصدار الاذن لعرض “الاب النادم” لأن الباشوية وهي الجهة التي تصدر التراخيص للفرق المسرحية لإقامة العروض لن تقبل أن تقف امرأة على الخشبة، لذا وكما أشار الكاتب رضوان احدادو الذي كتب سيرة ومسار الفنانة في كتاب تحت عنوان “ثريا حسن رائدة مسرحية في شموخ” تقدمت الفرقة كسابقة بطلب الترخيص بالعرض من المراقبة الإقليمية لناحية جبالة على غرار ما كانت تقوم به الفرق المحلية الاسبانية والأجنبية الوافدة، ولم يكن أمام الباشا من امر وقد حصل الترخيص إلا الرضوخ للواقع، فكانت ثريا فتاة الشمال التي تحدت قرارات السلطة او الباشا بالتحديد الذي ارسل العريفة مرفوقة بجنديين من افراد القوات المساعدة لاحتجاز ما سموه بقرائن لتهمة التمثيل من أوراق متناثرة هنا وهناك وصور، واقتيادها للباشوية حيث اعتقلت، ولم يكلف عمها الوصي عليها بعد وفاة والدها للقدوم لدعمها بل تركها لمواجهة مصيرها، ولم تجد الام حسب ما سطرها الكاتب حدادو إلا الحذو نحو طرق الاستعطاف بالتوجه للقصر الخليفي آنذاك الذي كان والد ثريا الحسين الناصري يشتغل ضمن فرقته النحاسية للخليفة السلطاني مولاي الحسن ابن المهدي في عهد الاستعمار الفرنسي للمغرب، بحيث اعطى الكاتب العام للحكومة الخليفية تعليماته الصارمة بإخلاء سبيل الفتاة، ومع ذلك لم تسلم من المضايقات ومطاردات أعوان الباشا أينما حلت وارتحلت، وكانت في كثير من الأحيان وهروبا من العيون الراصدة تخرج من البيت متنكرة في لباس الرجال، ورغم ذلك اعتقلت مرة أخرى بسبب وردة اهداها لها احد شباب فرقة الواحة الذي صادفها صدفة وهو يحملها في يده في الشارع العام، واقتيدت إلى الباشا بتهمة الاخلال بالأخلاق العامة في الشارع وبتهمة ملفقة حيث دفع بشاب سكير أن يضايقها في الطريق وحينما حاولت الإفلات منه القي عليها القبض، وأمر الباشا حينها بحلق شعرها وايداعها في المخفر في انتظار ترحيلها لمكان اخر، لكن تم إيقاف القرار بعدما تدخل خليفة الباشا الراحل علي الشعرة وهو والد محمد الشعرة احد أعمدة الفرقة، فتم اطلاق سراحها، وحدث هذا في توقيت زمني مدروس حين كانت تتهيأ الفرقة لتقديم عملها الجديد “الجريمة الكبرى” في الخامس من يناير عام 1951 كما يسوق رضوان حديدو في مؤلفه.
محضر التوقيع
بعد استقلال المغرب توارى الباشا بشططه وانفضت سلطة اعوانه وتنفست ثريا نسائم الحرية حيث لم تعد هناك مصادرة لعشقها للمسرح ولا أي انتهاك لبيتها واشيائها، فظلت تنتظر فرصة أخرى تجد فيها ضالتها التمثيلية إلى أن وجدت فرقة المسرح العربي التي كان يديرها الفنان الراحل المكي الوزاني التهامي الذي كان احد الوجوه المسرحية المتميزة في فترة الستينات حيث جمع بين التأليف والتمثيل والإخراج والسنوغرافيا، وقد قدمت ثريا مع الفرقة الكثير من المسرحيات “الجزاء” “عودة الماضي” “عدالة القدر” وغيرها حيث تألقت واستعادت مجدها، وبعد هذه التجربة الفنية دخلت غمار التأليف بعرض “لكل ظالم نهاية” والذي استلهمته من احداث واقعية، وكانت من بين انجح المسرحيات التي قدمتها فرقة المسرح العربي التي بدأت عروضها وجولاتها في كثير من المدن المغربية إلى أن حطت الرحال بمدينة الحسيمة حيث تفاجأت ثريا باسمها غائبا في خانة التأليف على الملصقات، ونسبت لممثل لها بالفرقة لتستشيط غضبا وتمتنع عن الصعود للخشبة، ولم تتنازل عن موقفها حتى تم تحرير محضر بالنازلة بعد استماع السلطات المحلية لأقوالها واقوال المدعي حيث تم انصافها بإلزام الطرف الاخر تبعات هذا التصرف، وبذلك انتصرت ثريا حسن في معركة أخرى من معاركها.
عاشقة ام عشيقة
رغم كل المحن التي اجترعتها من ابي الفنون إلا أنها ظلت تلك العاشقة الوفية له، فبعد زواج لم يعمر سوى أسبوعا واحدا من رجل يكبرها بسنوات، ومتزوج، والذي توفي مسموما بعد ما دست له ضرتها السم في الاكل بسبب الغيرة، قررت أن لا تتزوج إلا بالمسرح، فلم تتوقف عن تقديم العروض التي كانت تتوقف بين الفينة والأخرى، إلى أن بلغت سن السابعة والعشرين حيث تقدم لخطبتها رجل وافقت عليه بشرط جد استثنائي، حيث كان أول عقد زواج بالمغرب يتضمن شرطا غريبا الذي لم يفلح العدلان من استبعاده، والشرط حسب ما اورده الكاتب المسرحي رضوان احدادو ويقول: “فلقد أصرت على التجديف في وجه التيار، وتحمل شواظ الجمر، لقد سكنها المسرح وتمكن منها رافضة -بعد تجربة فاشلة- كل مشاريع الزواج التي عرضت عليها، مواجهة أمها بقرارها النهائي: «لا أستطيع أن أوفق بين زوجين في وقت واحد… أعلن لكم أنني متزوجة برجل اسمه المسرح»”.
وعندما أرغمت على الزواج بإلحاح من الأم وضغط الأسرة، وقد أصبح وشرطت الزوجة على زوجها المذكور ألا يمنعها من التمثيل على خشبة المسرح، ولا يمنعها من السفر منفردة سواء كان السفر قريبا أو بعيدا… وبذلك يكون أول عقد زواج ينتصر لشرط استثنائي.
فقبل العريس بهذا الشرط جاهلا أنه لا عشق في قلب عروسه إلا المسرح، حيث -وكما جاء على لسان كاتب سيرتها- أن بعض مرور السنوات الأولى من الزواج بدأ زوج الفنانة يشعر بالغيرة بعدما كان يعتقد أن التمثيل نزوة عابرة، وحاول اقناعها بالتخلي عنه، لكن لم ينجح في ذلك فانسحب تاركا العشيقة مع عشيقها الأوحد، حيث قدمت اجمل الأدوار في اعمال عدة منها عودة الماضي، عجلة القدر، مسرحية الضعف، أين الرحمة، موت ذبابة، أرض الرجال، الدّم، مسرحية الأرض والزّيتون، إلى أن تقدم بها العمر لتغادر الحياة عن عمر يناهز 76 سنة، بمدينتها البيضاء بتطوان، يوم الثلاثاء 30 يوليوز 2013.
لترحل فنانة التي قال عنها الكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد:
ثريا حسن هي امرأة استثنائية من زمن استثنائي، لم تختر أنوثتها ولا اختارت وضع المغرب ولا اختارت الظرف التاريخي الذي وجدت نفسها فيه لكنها اختارت المسرح، المسرح في معناه الحقيقي هو الخروج من المغلق إلى المنفتح، الخروج من الذات أولا، والخروج من البيت ثانيا، والخروج من اللحظة ثالثا، والخروج من اللغة الواقعية إلى اللغة الأدبية والفنية رابعا، والخروج من الهموم الصغرى إلى الاهتمامات الكبرى خامسا، وهذا يكون لجسد الممثل معنى القربان.



