حديث بسمة/ عزيزة حلاق
في ذكرى رحيل نوال السعداوي، لا نستحضر مجرد اسمٍ عابر في سجل الثقافة العربية، بل نفتح صفحةً من تاريخ المواجهة الصريحة مع المسكوت عنه، حيث الكلمة كانت سلاحًا، والجسد قضية، والحرية معركة يومية لا تحتمل التردد.
لم تكن نوال السعداوي كاتبة تقف عند حدود التنظير، بل كانت شاهدةً ومناضلةً في آن واحد. حين أصدرت كتابها الجريء المرأة والجنس في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن تكتب نصًا أدبيًا فحسب، بل كانت تفكك منظومة كاملة من التابوهات، وتضع إصبعها على جرحٍ ظل طويلًا مغطى بالصمت: جريمة ختان الإناث. دفعت ثمن ذلك غاليًا، فصلت من عملها، وحوربت، وشُوّهت صورتها، لكن صوتها لم ينكسر.
رفعت صوتها وكسرت المسكوت عنه، في زمنٍ كانت فيه بعض المؤسسات الدينية تبرر هذه الممارسة، بل وتُضفي عليها شرعية زائفة، اختارت نوال أن تقول “لا” بصوتٍ عالٍ، غير آبهةٍ بحملات التشهير ولا بسلطة الخطاب السائد. لم تكن معركتها ضد أشخاص، بل ضد بنية فكرية تُعيد إنتاج الخوف والسيطرة على جسد المرأة.
ومع مرور السنوات، لم تعد تلك “اللا” مجرد موقف فردي، بل تحولت إلى وعيٍ جمعي، ساهم في تغيير نظرة المجتمع، وصولًا إلى تجريم ختان الإناث قانونيًا في مصر سنة 2008، ثم تراجع عدد من الأصوات التي كانت تبرره. لم يكن ذلك التحول وليد لحظة، بل نتيجة تراكم نضالات، كانت نوال السعداوي إحدى أبرز وجوهها.
في استحضار ذكراها اليوم، لا يكون الوفاء بكلمات الرثاء فقط، بل بالاعتراف بأن ما نعتبره اليوم “بديهيًا” من حقوق، كان يومًا ما معركةً شرسة خاضتها نساء مثلها. وأن الجرأة التي بدت صادمة في وقتها، هي التي مهدت الطريق لخطابٍ أكثر إنصافًا وعدلًا.
نوال السعداوي لم تكن فقط “صوتًا نسويًا”، بل كانت ضميرًا حيًا، اختار أن يزعج السكون بدل أن يتواطأ معه. وفي كل مرة يُكسر فيها صمتٌ ظالم، أو تُستعاد فيها كرامة امرأة، هناك، بطريقة ما، أثرٌ من آثار تلك المرأة التي رفضت أن تعيش بنصف حرية..
في ذكرى رحيها، لا نستحضر مجرد اسمٍ في سجل الثقافة العربية، بل نستعيد سيرة امرأة اختارت أن تجعل من حياتها مشروعًا كاملًا لتحرير الإنسان، والمرأة في القلب منه.
لم تكن معركتها مقتصرة على فضح ختان الإناث أو نقد التقاليد، بل كانت أوسع وأعمق: معركة ضد البنية الذكورية التي تتحكم في الجسد والعقل معًا، وضد الاستبداد السياسي حين يتحالف مع القهر الاجتماعي. كتبت، حاضرت، ناضلت، وسُجنت أيضًا في عهد أنور السادات سنة 1981، لأن صوتها كان مزعجًا بما يكفي ليُخيف السلطة.
وُلدت نوال السعداوي في 27 أكتوبر 1931، في قرية كفر طحلة بمحافظة القليوبية في مصر، وسط بيئة ريفية محافظة، لكنها تلقت تعليمًا مكنها من دراسة الطب والتخصص في الأمراض الصدرية. جمعت بين مهنتها كطبيبة وكتاباتها الفكرية، فكانت ترى الجسد ليس فقط موضوعًا طبيًا، بل ساحة للصراع الاجتماعي والسياسي.
رحلت في 21 مارس 2021، بعد مسار طويل من الجدل والتأثير، تاركة وراءها عشرات الكتب التي تُرجمت إلى لغات عدة، وجعلت منها واحدة من أبرز الأصوات النسوية في العالم العربي والعالمي.
آمنت نوال السعداوي أن تحرير المرأة لا يمكن أن يتحقق دون تحرير الفكر من الخوف، ودون مساءلة كل ما يُفرض على النساء باسم الدين أو العرف أو السلطة. دافعت عن حق المرأة في جسدها، في اختيارها، في التعبير، وفي أن تكون فاعلة لا تابعة.
لم تكن تخشى الصدام مع المؤسسات الدينية أو الثقافية وحتى السياسية، اعتبرت أن كثيرًا من التفسيرات السائدة ليست سوى نتاج تاريخي يخدم مصالح معينة. لذلك ظلت تدعو إلى قراءة نقدية، وإلى شجاعة فكرية تُعيد للإنسان، امرأةً كان أو رجلًا، كرامته الكاملة..
هي التي قالت:”
“لا يمكن تحرير المرأة في مجتمع غير حر.”
“جسدي ملكي، وليس ساحة لصراعات الآخرين.”
في استحضار نوال السعداوي، ضمن ركن “نساء ملهمات”، نحن لا نؤبن فقط مناضلة، بل نُجدد العهد مع أسئلة لم تُحسم بعد، ومع معركة لا تزال مفتوحة: كيف نكون أحرارًا، دون خوف، ودون وصاية؟
رحلت نوال، لكن جرأتها ما زالت تُربك وتُلهم..
