بين إنفاذ القانون والعمل العسكري: قراءة قانونية في اعتقال مادورو

بقلم: سي محمد دروسي*

شهد النظام الدولي مطلع عام 2026 تطورًا استثنائيًا تمثّل في تنفيذ الولايات المتحدة الأمريكية عملية عسكرية داخل إقليم جمهورية فنزويلا البوليفارية، انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية لمواجهة اتهامات جنائية تتعلق بالاتجار بالمخدرات وحيازة الأسلحة.
ورافقت العملية ضربات عسكرية محدودة استهدفت منشآت داخل العاصمة كاراكاس، أعلنت عنها الإدارة الأمريكية رسميًا باعتبارها إجراءً لإنفاذ القانون يهدف إلى حماية منفذي أمر الاعتقال.
ولا تكتسب هذه الواقعة أهميتها القانونية من طبيعة التهم الموجهة أو من مآلات الملاحقة القضائية، بقدر ما تستمد خطورتها من الوسيلة التي فرضت بها الولايات المتحدة ولايتها القضائية على رئيس دولة ذات سيادة، عبر عمل عسكري أحادي نُفّذ داخل إقليم دولة أخرى ودون أي تفويض جماعي. إذ يُعد اعتقال رئيس دولة من قبل قوة أجنبية على أراضي دولته من أكثر الأفعال إثارة للإشكاليات في القانون الدولي العام، لما ينطوي عليه من مساس مباشر بالمبادئ المؤسسة للنظام الدولي، وعلى رأسها سيادة الدولة، وحظر استخدام القوة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. وهو ما يستدعي تقييمًا قانونيًا صارمًا لمدى توافق هذه العملية مع القواعد الآمرة التي تحكم اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية.
وينطلق هذا التقييم من القاعدة الأصلية التي تضبط العلاقات بين الدول، والمتمثلة في الحظر شبه المطلق لاستخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2 الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة، وهي قاعدة عرفية ملزمة ذات طابع بنيوي في النظام الدولي. ولا يقتصر هذا الحظر على الحروب التقليدية، بل يشمل أي لجوء قسري إلى الوسائل العسكرية من شأنه المساس بالسلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى. ويجمع الفقه والقضاء الدوليان على أن معيار الانتهاك لا يرتبط بحجم العملية أو مدتها، وإنما بطبيعتها القسرية وأثرها القانوني. وعليه، فإن إدخال قوات عسكرية أمريكية إلى الأراضي الفنزويلية، وتنفيذ ضربات عسكرية مرافقة، واعتقال رئيس الدولة بالقوة، يشكل استخدامًا للقوة بالمعنى القانوني الدقيق، ولا يغير من هذا التكييف توصيف العملية باعتبارها “محدودة” أو “موجهة لإنفاذ القانون”، إذ يعتمد القانون الدولي في تصنيف الأفعال على الوقائع الموضوعية لا على النوايا المعلنة.
كما أن استهداف رأس السلطة التنفيذية في فنزويلا يمس مباشرة بالاستقلال السياسي للدولة المعنية، ويُعد صورة من صور الإكراه الخارجي المحظور دوليًا. ولا تكتسب مثل هذه العمليات أي مشروعية إلا إذا استندت إلى أحد الاستثناءين الضيقين على حظر استخدام القوة: أولهما تفويض صريح من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، وثانيهما ممارسة الحق الأصيل في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من الميثاق.
وفي الحالة محل التحليل، لم يصدر أي تفويض من مجلس الأمن، ولم تُتخذ العملية في إطار نظام الأمن الجماعي. ويُعد هذا الغياب حاسمًا، لأن الميثاق أقام نظامًا احتكاريًا لاستخدام القوة يهدف إلى منع الدول من اتخاذ قرارات أحادية استنادًا إلى تقديراتها الخاصة للأمن أو العدالة.
أما محاولة تبرير العملية على أساس الدفاع عن النفس، فتواجه عقبات قانونية جوهرية، إذ تشترط المادة 51 وقوع “هجوم مسلح” فعلي أو وشيك، وهو شرط لا يتوافر في حالة تهريب المخدرات، حتى مع افتراض تورط مسؤولين حكوميين فيه. ذلك أن القانون الدولي، عرفًا وقضاءً، لم يعترف بالأنشطة الإجرامية العابرة للحدود بوصفها هجمات مسلحة، نظرًا لطابعها غير العسكري، وانقطاع رابطة الإسناد والسببية، وغياب الطابع القتالي المنظم. فضلًا عن ذلك، فإن توسيع مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل أفعالًا إجرامية غير مسلحة من شأنه إفراغ الميثاق من مضمونه، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة. كما أن شروط الضرورة والتناسب الملازمة لأي ادعاء بالدفاع عن النفس لا يمكن استيفاؤها في ظل توافر بدائل غير قسرية، مثل التعاون القضائي الدولي، أو آليات التسليم، أو التدابير الدبلوماسية والاقتصادية، مما ينفي الادعاء بأن استخدام القوة كان الخيار الوحيد المتاح.
وإلى جانب حظر استخدام القوة، تنطوي العملية على انتهاك مستقل لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، الذي يحظر كل أشكال الإكراه التي تحرم الدولة من حرية اختيار نظامها السياسي أو قيادتها. ويُعد الاعتقال القسري لرئيس الدولة النموذج الأوضح للتدخل المحظور، لأنه يستبدل السلطة الوطنية بإكراه خارجي مباشر، بصرف النظر عن التقييم السياسي أو الأخلاقي للحكومة المستهدفة. كما لا يمكن تكييف العملية باعتبارها إجراءً مشروعًا لإنفاذ القانون الجنائي خارج الإقليم، إذ يميز القانون الدولي بوضوح بين الاختصاص التشريعي، الذي قد يمتد خارج الحدود في حالات محدودة، والاختصاص التنفيذي، الذي يظل مقصورًا على إقليم الدولة ولا يجوز ممارسته في إقليم دولة أخرى دون موافقتها. ويُعد إنفاذ القانون، بما في ذلك سلطة الاعتقال، من صميم الوظائف السيادية التي لا يجوز انتزاعها بالقوة.
ويزداد الوضع تعقيدًا بالنظر إلى تمتع رئيس الدولة القائم بحصانة شخصية مطلقة من الولاية القضائية الأجنبية، بما في ذلك الحماية من الاعتقال، وهي حصانة تستند إلى القانون الدولي العرفي وتهدف إلى ضمان المساواة في السيادة واستقرار العلاقات الدولية. ولا يؤثر سحب الاعتراف السياسي أو الطعن في شرعية الانتخابات على قيام هذه الحصانة، إذ إن معيارها هو ممارسة السلطة الفعلية لا الاعتراف الدبلوماسي. وبصرف النظر عن توصيف الولايات المتحدة للعملية، فإن استخدام القوة المسلحة بين دولتين ينشئ، كمسألة واقعية، نزاعًا مسلحًا دوليًا، بما يستتبع تطبيق قانون النزاعات المسلحة بكامل منظومته، بما في ذلك اتفاقيات جنيف الأربع، وما يترتب عليها من قواعد تتعلق بالاستهداف، ووضع المحتجزين، وحماية المدنيين، والمسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة.
خلاصة القول، إن عملية اعتقال نيكولاس مادورو تمثل انتهاكًا متعدد الأوجه لقواعد أساسية في القانون الدولي العام، وتشكل سابقة خطيرة من شأنها تقويض نظام حظر استخدام القوة، وتشويش الحدود الفاصلة بين إنفاذ القانون والعمل العسكري، وإضعاف مبدأ السيادة الذي يقوم عليه النظام الدولي المعاصر. وتكمن خطورتها الجوهرية في المنطق الذي تؤسسه لا في نتائجها المباشرة، إذ تفتح الباب أمام شرعنة التدخل القسري الأحادي تحت ذرائع جنائية أو أمنية، في تعارض جذري مع فلسفة ميثاق الأمم المتحدة.
*باحث في العلاقات الدولية و القانون الدولي



