اخبار بسمةاصواتهنالسلايدر

اصمتوا أو ارحلوا! أنا مريض

بالوجه المكشوف

بقلم: زكية حادوش

بسمة نسائية/ أصواتهن

قد نخطئ التقدير في ربيع العمر ونرتكب حماقات…قد نخطئ حتى التمييز في خريف العمر فنقوم بأفعال تعود علينا بالدمار النفسي الشامل! ومهما قلنا إننا تعلمنا ولن نسقط في الفخ مرة أخرى، ثم حرقنا أو وشمنا جسدنا حتى نتذكر ما حصل وحتى لا يتكرر ما حصل، نجد أنفسنا قد وقعنا في المحظور، سواء استغِلت سذاجتنا أو طيبتنا أو مجرد حلم صغير ركضنا وراءه كالأطفال.

ما الفائدة من جلد الذات وكره ضعفنا الذي ما هو إلا صفة من الصفات الإنسانية؟ كم مرة شربنا من كأس المرارة الكيماوية وتجاوزنا المقادير وقلنا غداً لن نستيقظ، لكنا أفقنا صباحا كالعادة ولا ندري أي صباح، ووجدنا وسادتنا تقطر دمعا والألم يسخر منا هناك في زاوية الرأس والقلب، يفرك يديه جازما: “أنا هنا باق! لن أرحل!”

هذا ما يحدث منذ سنوات، وكل مرة أرى نفسي في المرآة أشغر بالغثيان وبالغضب: الغثيان من غبائي وغباء كل ما قمت به، وهل هناك أصعب من ندم على العطاء وعلى سعة القلب…ندم على تلك الأشياء البسيطة والمهمة لمن يقدرها حق قدرها…كل تلك الأشياء واللحظات التي منحتها دون حساب ودون مقابل.

ما أقبح الندم على الطيبة والثقة والعطاء والحب غير المشروط! وما أصعبه على صاحبه لأنه لا يشعره بالندامة فقط بل بالمهانة أيضا وما أدراك ما المهانة!

أما الغضب، فعامل السن لا يسمح لي بتقطيع شراييني ولا بضرب المرآة بقبضة يدي وكل تلك الأفعال الصبيانية. كل ما أستطيع فعله هو الغضب الصامت من نفسي أولا، ومن ذلك الرجل الذي يعتقد بأن مرضه هو نهاية العالم وأن مرضه يعطيه الحق في الصراخ في وجه الآخرين وتحقير أمراضهم وهمومهم ويستبيحهم لطعنات لسانه المسلول وسهام نقده الملازم لشخصيته المعذِّبة والمعذَّبة في الأرض!

أسأله فقط هل تحويل سؤالهم عن حالته إلى محضر اتهام هو مصدر ارتياح له وتخفيف عنه؟ إن كان الأمر كذلك لا بأس.

أيها الرجل المشغول بنفسه حتى النخاع هل تدري، وحتى إن أدركت، هل تحس أن هناك من يسأل عنك يحتبس عنه الهواء مرات ومرات حتى يرى الضفة الأخرى ويعود من الموت في كل مرة وتستمر الحياة؟ هل تدرك أن ممن يسأل عنك من لا يملك حتى حق المكالمة أو الرسالة، فكيف بتكاليف الكشف والعلاج ولا حتى دواء يخفف عنه الاختناق والألم؟

مع كل الغضب الكاتم للصوت الذي يجثم على صدري عندما أنام مرهقة من كل هذا، مخدرة، أجد في الفؤاد متسع من الرأفة والحنان…نعم، كل نرجسي يرى مرضه مجالا للتنافس في المرض ولتبرير أقواله وأفعاله الجارحة وللتملص من مسؤولياته المعنوية كإنسان، هذا الرجل يظل مجرد طفل كان، طفل شب على الطوق ولم يعرف في حياته غير الطوق! نم أيها الطفل الجميل مرتاحا، فللأسف لن تعود لأن النفاق الاجتماعي اغتالك وأرهقك الجري وراء “الزوائل” وخنقتك أوهام “السعادة المؤدى عنها”!

خطئي كان كبيرا حين وثقت بأن داخل ذلك الرجل المريض طفلا جميلا وخطئي كان أكبر عندما صدقت أن المرء كلما قرأ كتبا وازداد أدبا وفنا وعلما كلما أينع قلبه وأشرقت روحه، فلم أجد سوى الخراب والبوار والظلام.

  • نص مهدى إلى الأستاذ سمير بن منصور متمنية له الشفاء العاجل والدائم، وإلى كل المرضى الذين تحسبهم أصحاء من التعفف والإقبال على الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى