إعلاماخبار بسمةالسلايدر

الإعلام في عصر اللايقين..

بسمة نسائية/ إعلام

دعا المشاركون في اللقاء الثقافي الذي نظمه مركز بوصلة للدراسات والأبحاث وجمعية مبادرات مواطنة، مساء الأربعاء 27 مارس الجاري بفضاء دار سعيدة المنبهي بمراكش إلى إعداد استراتيجية وطنية واضحة المعالم في ميدان الصحافة والإعلام، بمشاركة كافة الفاعلين المعنيين، تستجيب لتطلعات المهنيين والرأي العام، تأخذ بعين الاعتبار تحديات الثورة الرقمية.

وشدد المشاركون في هذا اللقاء المنظم تحت شعار ” الاعلام في عصر اللايقين” وتولى تنشيطها الكاتب الصحفي جمال المحافظ رئيس المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال، ومصطفى اللويزي الأستاذ الجامعي المتخصص في الاعلام والتواصل على ضرورة تجسير العلاقة ما بين قطاعات البحث العلمي والمجتمع المدني والاعلام، لما لهذه المجالات من قواسم مشتركة في المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.

كما سلطوا الضوء على وضعية وآفاق الصحافة والاعلام، حيث تساءلوا وقاربوا في هذا السياق من زوايا متقاطعة عدد من الإشكالات التي يعاني منها هذا القطاع الحيوي، معتبرين أننا نعيش حاليا مرحلة انتقالية، في ظل المتغيرات التي يشهدها مجال الصحافة والإعلام الذي تفاقمت تحدياته في زمن الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية التي خلخلت ممارسة الصحافة.

وفي هذا الصدد أكد المشاركون في هذا اللقاء الذي تميز بحضور نخبة من الإعلامين والأساتذة والباحثين والفاعلين بالمجتمع المدني، بأن ترجمة ذلك يتطلب إعادة النظر في أدوار الصحافة والاعلام في المرحلة الراهنة، مع الحرص على الارتقاء بمستوى التكوين والتأهيل الصحفي والإعلامي، وبلورة التخصص المهني والاستفادة من الأجناس الصحفية، أظهرت فعاليتها وجدواها، في ظل اكراهات الثورة الرقمية، كالاستقصاء والتحقيقات والتحليل، عوض الاقتصار على تقديم الأخبار ونشر المعلومات التي أضحت متاحة للجميع.

ومن أجل الارتقاء بمستوى الصحافة والاعلام ومواجهة التحديات التكنولوجية وانعكاساتها، شدد المشاركون، على ضرورة إدماج مادة التربية الإعلامية، في البرامج والمقررات الدراسية منذ المرحلة الابتدائية إلى الجامعة، وتشجيع البحث العلمي، واندماج المؤسسات التعليمية في مجتمع الإعلام والمعرفة، مع تأهيل منظومة التربية والتكوين، والاستثمار الأفضل للتكنولوجيا الحديثة، لمواجهة ” تغول سلطة المال والتقنية”، وذلك بهدف بناء المعرفة والهوية والسلوكيات خاصة لدى الأجيال الصاعدة من أطفال وشباب .

وفي معرض تعريفه لمفهوم اللايقين أو الارتياب والشك، أوضح جمال المحافظ الباحث في العلاقات الدولية، أنه على عكس اليقين الذي يفيد التأكيد التام والكامل على صحة شيء ما، أو الاقتناع بفكرة معيّنة، كحقائق مؤكدة لا مجرّد فرضيات، فإن اللايقين، يعنى بالخصوص أن الإنسان ليس قادرا على معرفة كل شيء بدقة متناهية، حسب ما أورده سنة 1927 مؤسس مبدأ اللايقين، العالم الألماني فرنز هايزنبرغ مضيفا، أن هذا المفهوم، انتقل  بعد تشكله في دائرة الفيزياء، إلى الحياة السياسية والإعلامية والاجتماعية، وأصبح بذلك من بين أكثر المفاهيم تداولا، وتحول إلى نموذج تفسيري وبراديغم إرشادي جديد.

وعلى مستوى الصحافة والإعلام أشار المتدخل إلى أنه إذا كانت التكنولوجيا الحديثة، أتاحت الفرصة للجميع للحصول على المعلومات والتبادل والتفاعل، فإنها أدت بالمقابل الى تغيير جذري في البيئة الإعلامية، إذ في الوقت الذي كان الصحفيون، يعتمدون بالأساس على قصاصات وكالات الأنباء، فإن الثورة الرقمية، جعلتهم أمام سيل جارف من المعلومات والأخبار حيث تم الانتقال من نظام للندرة الى آخر للوفرة، كان من بين انعكاساته السلبية، ترويج الأخبار الزائفة.

ولاحظ أن شركات التكنولوجيا الكبرى، تعكس بشكل جلي العلاقات القائمة ما بين عوالم سلطة المال والاعلام والاتصال، من خلال توظيفها للتقنية لبناء آلية للهيمنة قصد التأثير على استهلاك الصحافة. كما أن التقنيات الرقمية، وإن كانت انعكاس للاستعمال الذي يقوم به الفرد، فهي لم تضع حدا لعدم المساواة في الاستخدام، ولم تخفف من سوء التفاهم بين البشر، ولم تقلص كذلك من حدة النزاعات والحروب، لكنها وفرت بالمقابل ولوجا غير محدود للمعلومات وللمعرفة، ورفعت كذلك من القدرة على التبادل والمشاركة، وجعلت الفضاء الرمزي، لا يخضع للرقابة ، كما هو شأن القراءة .

وعلى المستوى الوطني، فإنه بقدر ما يلاحظ إقبالا متصاعدا على التكنولوجيا، ( نحو 36 مليون عدد المرتبطين بشبكة الانترنيت الى حدود يوليوز 2022  حسب احصائيات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات) بقدر ما  يسجل توجسا مبالغ فيه أحيانا، بدعاوى مختلفة في مقدمتها الاستخدام السيء لهذه التكنولوجيات الحديثة.

ولدى تطرقه لمحتويات كتابه ” الإعلام في زمن اللايقين ” الصادر مؤخرا والذى جرى تقديمه وتوقيعه في هذا اللقاء الثقافي أشار جمال المحافظ، الى أنه حاول في مؤلفه الجديد، ترك الحرية للقارئ والباحث والمهتم، في اختيار نوعية النصوص التي يتضمنها حسب ميولاته وانشغالاته، معتمدا في ذلك في معالجتها هذه المواضيع على أسلوب الكتابة الصحفية مبرزا أن  المؤلف مساهمة تركز على طرح الأسئلة، أكثر مما تتوسل أجوبة جاهزة ونهائية، حول قضايا الصحافة والإعلام والاتصال، وليس معالجة مفاهيم مبدأ اللايقين أو النقاش الدائر حوله في ظل عالم معولم ومتغير.

لكن كتاب ” الاعلام في زمن اللايقين”  الذي يتضمن ستة فصول  هي ” الإعلام والسياسة” و”الإعلام والمؤسسات” و” الإعلام والثقافة” و” الصحافة والذاكرة” و”الإعلام والثورة الرقمية” و”الإعلام والجوار” يراهن – كما في مؤلفاته السابقة – على إثارة انتباه مختلف الفاعلين إلى تحديات ورهانات الاعلام والاتصال،  رغم أن مختلف نُصوصه، ” تحمل قلق السؤال حول مستقبل الإعلام في قلب تحولات جارفة تفعل ذلك وهي تُفكر في أثر السياسي على الصحافة والاعلام، و تقف على اختبار الأخلاقيات المهنية في زمن الرقمنة، و تستعرض تحديات الصحافة الثقافية أمام اكتساح الضحالة المُعممة، و تُدقق النظر في حُضور الطفل و المرأة و الثقافة والرياضة والمجتمع المدني في إعلام اليوم، و تبحث في مألات بنيات و مؤسسات الأداء الإعلامي، لكن رغم كل ذلك تحضر – ضمن جدلية خلاقة – كل الأسئلة الحارقة لمستقبل الصحافة في زمن اللايقين الإعلامي”، كما أكد الجامعي الأستاذ الباحث حسن طارق في مقدمة هذا الكتاب .

ومن جهته  توقف الأستاذ مصطفى اللويزي عند ما وصفه ب” الأسئلة الكبرى” التي يطرحها الاعلام في زمن اللايقين، وقال إنه عبارة عن كلمة مركبة، وأن هذا المفهوم – في نظره – لم يبدأ مع سنة 1927، وإنما ترجع جدوره إلى الفلاسفة اليونانيين معربا عن اعتقاده بأنه في ظل وفرة المعلومات، نتيجة الثورة الرقمية في العصر الراهن، أصبح مطلوبا من وسائل الاعلام والاتصال الانتقال من ” الكيف إلى النوع ” مبرزا  الدور الحيوي والحاسم الذي تضطلع به المعلومات في عملية اتخاذ القرار، وذلك في عالم تتشابك فيه المصالح الاستراتيجية، وهو ما يقتضى أن تتحول إلى مشروع استراتيجي حقيقي، نظرا للرهانات السياسية، والأيديولوجية، والدينية، والاقتصادية، والثقافية التي تتدخل في صناعة المعلومات، على حد قوله.

وبالنسبة لمؤلفه الأخير ” الاعلام والترجمة.. ” أكد اللويزي الصحافي والأستاذ بجامعة سيدي محمد بنعبد الله بفاس بالخصوص أنه يندرج في خضم الانشغال الفكري للمؤلف بمسألة الترجمة ووسائل الإعلام، كمجال مزدوج للدراسة والتحليل للعوالم الممكنة وللظواهر المتكررة المؤثرة على اللغات، من جهة وعلى القوالب الإعلامية والسياسية من جهة أخرى، وقال في هذا الصدد بأن كلا من الصحافي والمترجم، هما ناقلان، أي أشخاص يخاطرون بأنفسهم بين الحدود اللغوية والثقافية وبين التواصل وعدم التواصل أو التواصل الفج وغير المفيد. واعتبر أن ممارسة الترجمة في عالم الإعلام، عملية شاقة للغاية، لأنها عمل يومي متعب، لكنه ضروري ولا غنى عنه. وبما أن هذه عملية الترجمة في الإعلام تتطلب الكثير من السرعة ورد الفعل، نظرا لأن عالم الأخبار والمعلومات يفرض سرعة الاستجابة والاستيعاب، مما قد يضعنا أمام متاهات الخيارات التقريبية، مع ما يرافق ذلك من عدم الدقة والعمومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى