هارتموت روزا ونظرية “المجاعة الزمنية”

بقلم: شكيب حلاق

عندما لا تعود السرعة تعني التقدم: هارتموت روزا والتسارع في العالم العربي
ليست كل سرعة تقدمًا، وليست كل حركة تغييرًا
يطرح عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني “هارتموت روزا” مفارقة أساسية في فهم المجتمعات الحديثة إذ يقول: “لم نمتلك من قبل هذا الكم من الأدوات التي تمكننا من توفير الوقت وتسريع إنجاز الأعمال والاتصال بالآخرين، ومع ذلك أصبح الشعور بنقص الوقت أكثر حضورًا في حياتنا”. فالمشكلة، بالنسبة إلى روزا، ليست أن العالم يسير بسرعة فحسب، وإنما أن التسارع أصبح منطقًا يحكم المجتمع الحديث بأكمله، وقد يتحول من وسيلة للتقدم إلى مصدر جديد للاغتراب والضغط.
يرى روزا، المنتمي إلى تقليد النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، أن التسارع الاجتماعي يتخذ ثلاثة أشكال مترابطة. أولها “التسارع التقني”، ويتمثل في التطور المتواصل لوسائل النقل والإنتاج والاتصال، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي والتواصل الفوري. وثانيها “تسارع التغير الاجتماعي”، حيث تتغير المهن والمؤسسات وأنماط الحياة والقيم بسرعة تجعل بعض المعارف والمهارات عرضة للتقادم حتى قبل انتقالها من جيل إلى آخر. أما الشكل الثالث فهو “تسارع إيقاع الحياة”، أي شعور الإنسان بأنه مطالب باستثمار كل لحظة، وإنجاز عدة أشياء في الوقت نفسه، والاستجابة الفورية لسيل متواصل من الرسائل والمعلومات والطلبات.
وهنا تظهر المفارقة: التكنولوجيا التي كان يفترض أن تمنحنا وقتًا أكثر، تؤدي أحيانًا إلى العكس. فكلما أصبح الإنجاز أسرع، ارتفعت التوقعات وتضاعفت المهام والالتزامات. وهكذا يجد الإنسان نفسه يمتلك أدوات أكثر كفاءة، لكنه يشعر باستمرار بأنه لا يملك الوقت الكافي؛ وهي المفارقة التي يسميها روزا “المجاعة الزمنية”.
ويربط روزا هذه الظاهرة بما يسميه “الاستقرار الدينامي”، فالمجتمع الحديث لا يستطيع أن يحافظ على استقراره إلا من خلال النمو والابتكار والتسارع المستمر. أصبح التوقف أو الجمود خطرًا يهدد الفرد والمؤسسة والدولة بالتراجع. لكن هذا المنطق يفرض على الإنسان التكيف الدائم، واكتساب مهارات جديدة وتحسين أدائه باستمرار، وهو ما قد ينتج الإنهاك والقلق والشعور بعدم القدرة على مجاراة العالم.
أما النتيجة الأعمق لهذا التسارع فهي، في نظر روزا، “الاغتراب”. فالإنسان يصبح أكثر ميلًا إلى التعامل مع العالم باعتباره مجموعة من الأدوات والموارد القابلة للاستهلاك والاستبدال، بدل أن يقيم معه علاقة حية وذات معنى. ومن هنا يتحدث روزا عن “العالم الصامت”: عالم نكون فيه محاطين بالأشخاص والأشياء والمعلومات، لكننا نشعر بأن شيئًا منها لا يصل إلينا فعلًا ولا يستجيب لنا.
وفي مواجهة هذا الاغتراب، يقترح روزا مفهوم “الرنين”، أي إقامة علاقة حية مع العالم يتأثر فيها الإنسان بما حوله، ويستجيب له، ثم يخرج منها وقد تغير. والرنين لا يعني السعادة الدائمة ولا مجرد إبطاء الحياة، بل يعني استعادة علاقة إنسانية عميقة مع الآخرين والطبيعة والفن والعمل والعالم من حولنا.
وتصبح هذه النظرية أكثر إثارة عندما نضعها في سياق بعض المجتمعات العربية. فهناك حالات يمكن فيها أن تكون السرعة التكنولوجية كبيرة جدًا، بينما تظل التحولات السياسية والإدارية والمؤسساتية بطيئة. قد يستطيع الفرد إرسال رسالة إلى الطرف الآخر من العالم في ثانية، لكنه يحتاج أيامًا أو أسابيع للحصول على وثيقة إدارية. وقد تنتشر مظاهر الحداثة التقنية والاستهلاك الفاخر، بينما تظل بعض المؤسسات وأساليب التعليم والإدارة والعمل محكومة بمنطق قديم.
وهنا تكمن الفكرة الأهم: ليست كل سرعة تقدمًا، وليست كل حركة تغييرًا. فالمجتمع يمكن أن يمتلك أحدث التقنيات، من دون أن يحقق بالضرورة تقدمًا موازيًا في المؤسسات والحريات والمشاركة المواطنية.
لذلك لا تكمن المشكلة في أن نسرّع أكثر، ولا في أن نبطئ لمجرد التباطؤ، وإنما في أن نحقق التزامن بين التطور التقني والتطور السياسي والمؤسساتي والاجتماعي. فالحداثة الحقيقية، وفق هذا المنظور، لا تقاس بسرعة الابتكارات، بل بقدرة المؤسسات والمواطنين على بناء علاقة أكثر إنسانية ومعنى مع العالم الذي يصنعونه. وفي النهاية، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم من الوقت وفرنا؟ وإنما ماذا نفعل بالوقت الذي لدينا؟ فقد يستطيع مجتمع أن يتسارع بلا نهاية، دون أن يتقدم فعلًا.
المقال مترجم بتصرف عن موقع:” لوكوليماتور”



