اصواتهن

قطاع الطرق الجدد

سناء تراري

تشير إلى سيارة الأجرة فيسبقك شاب يمسك باب السيارة ويفتحها لك، وحين تصعد يظل ممسكا بالباب رافضا في مسكنة وذل أن يغلقها حتى تُنْقِدَهُ دراهم، وإن رفضت وأنت تؤكد بأنك من أشرت إلى سيارة الأجرة وأوقفتها وليس هو يهيج ويصرخ وقد يمطرك سبابا وشتائم.

وأنت تنزل من سيارة الأجرة في اتجاه محطة الحافلات ستفاجأ بشاب لا تعرف من أين أتى يزاحمك ليحمل عنك حقيبتك مدعيا المساعدة تعترضُ فيعترض، تتبعه جريا إلى شباك التذاكر فيضع لك الحقيبة أرضا ثم يساومك، و لا يرضى بأقل من عشرة دراهم.

حين تركن سيارتك حتى لو بقيت داخلها لتجري مكالمة أو لقضاء غرض ما، تنشق الأرض عن حارس يمد يده فلقد حرسك وسيارتك. وإن غادرت سيارتك فقد تفاجأ وأنت تعود إليها بأكثر من حارس يرتدون القميص البرتقالي أو الأخضر وأحيانا يدخلونك في متاهات من الأحق والأسبق، وهذا حارس الليل وذاك حارس النهار، وهذا ذهب وذاك أتى….

في الشاطئ نبت ملاك وتجار جدد اقتسموا الرمال والهواء فيما بينهم، فلا تجد مكانا تنشر فيه فوطتك وتستجم بهدوء. ومنهم من استعمل حبال ليضع الحدود لملكيته الخاصة التي تذر عليه في نهاية اليوم مبلغا ليس بالهين، فكل شيء قابل للكراء، الطاولة والكراسي والشمسية، أضف إلى ذلك شايا ستكون مجبرا على طلبه أو طاجين سمك بخضر بئيس يحضرونه في ظروف غير صحية وبمقابل مبالغ فيه، وإن استسلمت وأقبلت عليهم فاعلم أن اليوم سيكون مكلفا مقابل فضاء عمومي تملك مطلق الحق في الاستمتاع به.

في الأماكن السياحية يبلغ الابتزاز أشده، كلما رفعت الكاميرا كسائح لتلتقط صورة تجد من يطالب بالمال، بل هناك من وضع تسعيرة لذلك، ففي فاس يطالبك بعض العمال في واحدة من أشهر معامل صباغة الجلود بمائة درهم مقابل التقاط صور للمكان وللنشاط، وإن اعترضت لعدم وجود سند قانوني لهذا الفعل ستفاجأ بهجوم منقطع النظير أمام السياح الأجانب، ثم يجرك أحد من هنا وآخر من هناك أنه مستعد لإرشادك مجانا وأنه فاعل خير ثم يشرع في الابتزاز بطريقة مختلفة لا تقل وقاحة عن سابقيه.

يحصل هذا في كل المدن السياحية تقريبا دون حسيب أو رقيب.

في السيارة دائما هناك من يريد أن يبيعك شيئا رغما عنك بترغيب يشبه الترهيب، يجعلك تحس بالذنب لأنك تركب سيارة تدفع أقساطها من عملك وجهدك.

حتى المتسولون فقدوا مسكنتهم صاروا إقطاعيين جدد وهم يلتصقون بك في السوق، يتلصصون عليك في المطاعم ويعترضون سبيلك في تحد وانتهاك سافر للخصوصية. تحس أنه مجالهم وأنت الغريب وأنت المذنب وأنت الغني المتعفن وهم ليسوا إلا فقراء مظلومين.

في مراحل سابقة أطلق تعبير البطالة المقنعة على كل من لا يمارس عملا قارا منتظما مدرا لدخل يوفر العيش الكريم مثل ماسحي الأحذية وحراس السيارات وبائعي السجائر بالتقسيط والباعة المتجولون، وكيفما كان اللقب الذي أطلق عليهم من طرف وزارة لا تحفل بهم، فهم كانوا ولا يزالون يحظون باحترامنا، نتعاطف معهم، نمنحهم دريهماتنا برضا، هم لا يعترضون سبيلنا ولا يسرقوننا ولا يبتزوننا.

لكن قطاع الطرق هؤلاء الذين صاروا يعترضون سبيلنا في كل حركة وسكون من أين أتوا ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى