السلايدرممنوع على النسا

الممرضة التي رأيتها…

            محمد عفة

بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للممرضات الذي يصادف 12 ماي من كل عام ، ننشر هذه المساهمة الجميلة التي توصلنا بها من صديقنا الأستاذ محمد عفة، تكريما للممرضات  وللعمل النبيل الذي يقمن به. رن جرس هاتفه النقال كعادته، وفق ساعة الإنذار المبرمجة للاستيقاظ و للاستعداد للذهاب إلى عمله الوظيفي. تلمس في تأفف هاتفه وبعينين لا زال النوم يداعبهما، تراءى له  ما هو مبين على  شاشته الصغيرة ( 07:00 / السبت 12 ماي 2018). أحكم الغطاء على جسده و خلد إلى النوم….راح في سبات عميق، ورأى نفسه ممددا على سرير في غرفة العناية المركزة، لا يربطه بالحياة سوى أمله في الله، و أنابيب كحبل الوريد يتنفس بواسطتها ويقتات، عبر أجهزة طبية تصدر أزيزا متقطعا و متواصلا، يتعاقب مع صوت الزفير والشهيق المنبعث من صدره الذي يعلو وينخفض، مخلفا ضبابا بقناع الأكسجين الذي يحجب وجهه الشاحب…فجأة أخذت رموش عينيه المطبقة أجفانها منذ أيام تتحرك، فتغشت مخيلته في سحب الذكريات لتعيده إلى الصغر، يوم كان في الصف الرابع ابتدائي، يتلو- في إحدى حصص القراءة- مع زملائه التلاميذ بصوت مرتفع به غنة طفولية رتيبة أنشودة:

” رأيتها نظيفة … نشيطة خفيفة …  فؤادها رحيم … و عطفها عظيم “…

لما رأى وقتئذ صورتها على ورق الكتاب المدرسي (القراءة) – و لو أنها مجرد رسم – ببذلتها البيضاء، جميلة ذات وجه قمحي اللون، أحس بشيء في صدره، شيء يسميه الكبار حبا فأحبها حبا طفوليا. غلظت الظلمة في مخيلته، وراح يتلمس في عتمتها بصيصا من النور يهتدي به إلى الأبيات الموالية في الأنشودة  فلم يفلح، إلى أن تناهى إلى سمعه من زقاق مظلم وملتوي بمخيلته، صدى أصوات  طفولية تردد: ” لطيفة الكلام … تعمل في نظام …   تطوف بالدواء … بالصبح و المساء … و تأخذ الحرارة …  بعناية المهارة …  في كفها الشفاء … يبعثه الرجاء “،،،،،  حرك أصبعين ليلامس ظهر كفها، حينها أحس بأطراف أصابع ناعمة تلامس أصابعه، و تجعله في تماس مع صعقة كهربائية أعادت الى قلبه نبضاته المنتظمة. حرك أجفانه في محاولات يائسة لرؤية صاحبة الأصابع الناعمة، لعلها الممرضة التي أحب صورتها على ورق الكتاب المدرسي يوم كان طفلا. و حتى لا تضيع منه الفرصة، استعمل كل ما بقي من قوة في جسمه المنهك ليمسك بكف الشفاء.. انفتحت عيناه على حين غرة، و سرعان ما أغمضهما في انتشاء لما طلع عليه وجه في بياض حليبي منسجم مع بياض البذلة البيضاء وشعر بلون القش منسدل تحت قبعة بيضاء أيضا، و فم تعلوه ابتسامة رقيقة يخاطبه :   ” على سلامتك أ سيدي …” ، شرد خاطره ولم يعد يسمع بقية الكلام ما عدا كلمة ” غيبوبة “. تذكر أمرا وفتح عينيه ليسترق النظر الى أصبع البنصر من أصابعها فلم يجد حوله أي خاتم. ارتعشت أطراف جسده المتهالك سعادة لا تدانيها سعادة، و سلم نفسه إلى غيبوبة إرادية لينسج أحداث قصة حب نهايتها زواج من الممرضة التي رآها في الواقع لا على الورق. أغنية جنريكها أنشودة ” رأيتها نظيفة … نشيطة خفيفة ” ، تملأ أرجاء الغرفة لتعم باقي أركان المصحة، التي تتحرك فيها الممرضات بنشاط و خفة يزرعن أمل الشفاء في قلوب المرضى.

 

 

           

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى