شريط الأخبارممنوع على النسا

مقاطع من بسمة نواح الروح

مبارك حنون
ارتشفت منه ما ارتشفت وما اترتوت روحي، وانهمرت من الجفون كنائس الروح، وانبلجت صبحا في سماوات الرفاق والأصحاب، وجابني من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب ألق الأقحوان النابت في شرفات العينين. لم أخرج من ذاتي فخارج ذاتي حروب تترى على القلوب، وتذيب نفائس النفوس، وتحرق العقول. فلا حاجة إلى العقول والقلوب في حضرة القتال والذبح. تتعالى الرؤوس، وما تقشعر النفس، وتتكسر في الخاطر زجاجات البلور الملائكي، وتتعفن في العين الدموع، وتمشي الأحلام على ركائز من خشب مهترئ. يا إلهي، لم يزرعون في الأرض الفساد، ويسقونه بالدماء، ويقتبلون النار ويلغطون ويمرحون .
ارتشفت منه ما ارتشفت وما ارتوت جروحي، أنا العطشان في بلاد أنهارها من دماء. يغتسلون بالدماء، فما عاد بالأرض ماء. تتسلل العبارات عبر الحدود والأسلاك الشائكة، تتحول موجاتها إلى تيارات كهربائية تحرق كل السهل وكل الصعب، وتطفو على الأفواه فرسان التتار، وتُغلق هواتف المستقبل، وترتج على البسمات السيوف. يرتعد السيف ولا أرتعد. هي الحياة تعتصرني وتركب كلامي وتبني بابلا ممتدا إلى السماء. هم الذين هدموا البرج لا الله. فالله لا يهدم ما بناه الإنسان سبيلا إليه.
ارتشفت منه ما ارتشفت وما ارتوى خاطري. ظل الظمأ يملأ شرايين الإنسان في، وظلت مواقيت الطهر غضبى من الانزياح الأفقي في مدارج النواح. لقد اشتعل الرأس حزنا، وما شابت شعيراته، وانكفأ الغادي والرائح على تقبيل هامات الحاضر على حساب الغد. ارتاح مني زماني انتصارا للعسف، وجاءتني السماوات تمطر الضوء في أرجاء الروح، انشطرت وما انشطرت سمائي، واغرورقت عيناي فيضا من ابتسامات النبوة وهي تسري في شغاف النور. غير أن انسياب الذات ترجل وأبحر في مفازات الأفكار الآتية من جوف صوفي غاضب. تلك النهارات تترادف بدون نور، نارها تمحق الفرجة وتمحقني.
أيا هذا الرجل الماشي على حبل نار، اهدأ وارتق بنفسك واصعد، فما أنت بسيزيف العرب. ارم توابيت الظلام، وتحر النور الوافد من دواخلك، وتأبط إقدامك، واصرخ في ردهات الأرض، ولا تخش الصدى. ها هي ذي السنابل تتهاوى بثمرها، وها أنا ذا أجول في رحاب الخفقان التائه في دهاليز الأنا. أمشي على رموش عيني توخيا لإشراقة إلهية تضيء جنبات الخشية. اهدئي يا بحار العمر، واخفقي يا راية الجذب لعل العطاء ينبثق من هبة منك على أنفاس الترى.
ارتشفت منه ما ارتشفت وما ارتوت مفازاتي الروحية. يا هذا الماء، لا تطفئ نارا، بل توهج ووهِّج أعماقنا لعلنا نتعلم كيف نسري في الربى جداول تترقرق، وتنشد أشداء الصفاء والطهر. يا هذا الماء، لا تطفئ نارا، بل امتد جدولا من التراب إلى السماء، واسكب قطراتك على أرواحنا المعلقة بين الأرض والسماء، علك تنعش فينا الحلم وتبعث فينا نسائم الحبور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى