السلايدرقضيتنا

حق المرأة في إرث الآباء بالتساوي

د. حسن عبيابة *

إن الجدل القائم حاليا حول المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى، هو نقاش مهم لأن المرحلة تقتضي النظر في العديد من القضايا المجتمعية والحقوقية والدستورية، كما أنه حان الوقت لتجديد العديد من النصوص التشريعية والقانونية التي أصبحت دون جدوى ودون أدنى أثر يذكر في الحياة العملية وفي الحياة العامة، ومن هذه النصوص مدونة الأسرة التي هي الضامن لحقوق الأسرة السليمة والمتوازنة في المجتمع.
وبما أن الحقوق مقسمة بين الجانب المعنوي والمادي، إلا أن الجانب المادي المتمثل في قوانين وتشريعات الإرث يبقى مهما للغاية ويشكل عقبة في تماسك الأسرة وتماسك المجتمع. ولا يجادل أحد في أن مرجعية كل مسلم هو القرآن والسنة الصحيحة، وبالتالي فإن الإسلام في البداية جاء ليعدل بين الناس وبين الرجال والنساء، وقد أقبل الناس على الإسلام تاريخيا لعدله بين الناس والدليل على ذلك أن 70% من المسلمين في العالم أصل دخولهم إلى الإسلام بالدعوة إليه أكثر وليس بحد السيف كما يدعي البعض.
ولفهم ما يجري وما هو المطلوب حاليا من جميع المكونات المغربية بكل تياراتها لابد من تسجيل الملاحظات التالية:
-أن الدعوة إلى اجتهاد فقهي لإدخال بعض التعديلات في قوانين الإرث هي دعوة إلى حاجة مجتمعية نتجت عن أضرار مادية ومعنوية موثقة في المحاكم المغربية وأصبحت ظاهرة اجتماعية تشكل تهديدا للأسرة المغربية.
-أن هذا المطلب هو جزء من النقاش العمومي لتنزيل جوانب من الدستور المغرب الذي ينص في الفصل 19 من الدستور على أن الرجل والمرأة يتمتعان على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
-أن الإسلام أقر المساواة بين الرجال والنساء في الحديث الصحيح ( النساء شقائق الرجال )
-أن المطلوب ليس هو إلغاء نظام الإرث كما جاء في الإسلام كما يروج من طرف البعض وإنما المطلوب الاجتهاد فقط في حالتين دون غيرهما مع باقي نظام الإرث كما جاء في الشريعة الإسلامية.
– الحالة الأولى وهي المساواة بين الذكر والأنثى فيما تركه الآباء فقط مثال: هالك ترك ولدا واحدا فقط في نظام الإرث الحالي فإن الولد يرث كل شيء أما إذا هالك هالك وترك بنتا واحدة فترث النصف فقط والباقي يذهب لأهل التعصيب.
المطلوب حاليا هو أن تتساوى البنت مع الولد وترث التركة كلها بدل النصف لأن التعصيب هو ريع مادي في هذه الحالة يذهب لأشخاص بدون مجهود وبدون تقديم رعاية قبلية أو بعدية للبنت.
كما أن التعصيب انتفت أسبابه التي قام عليها وهي الرعاية للبنات بعد الإرث وحماية الأسرة ودفع الفدية عنهم كما كان سائدا في عهد الجاهلية واستمر بعد الإسلام م والقاعدة الفقهية تقول إن الأحكام تتغير بتغيير العلة وأن درأ المفسدة تقدم على المصلحة. والمفسدة هنا في الواقع متعددة في نظام التعصيب فلو ترك هالك بنتا مع أولادها لوحدها في منزل غير قابل للقسمة فإن المنزل يباع وتشرد البنت والحالات كثيرة والأحكام في الإسلام تبني على جلب المصلحة وترك المفسدة.
– الحالة الثانية هي هالك هالك وترك ذكرا وأنثى، فإن النظام الحالي يعطي للذكر ثلثي الإرث والثلث الباقي للأنثى والمطلوب في هذه الحالة المطلوب هو تقسم التركة بينهما بالتساوي لأن التكاليف المادية التي بنى عليها الإرث هي أن الرجال يتحملون تكاليف الأخوات في الحياة وفي مجتمعنا الحالي لم تبقى عمليا ولا عرفا.
هناك فقهاء اجتهدوا في بعض الدول الإسلامية مثل تونس وغيرها بل إن بعض المذاهب الإسلامية يحذفون التعصيب شرعيا مثل الشيعة الذين يورثون البنات بدون تعصيب وهناك ظاهرة انتشرت وسط بعض المسلمين من دول الشرق العربي تشيعوا فقط من أجل ضمان لبناتهم كامل الإرث ونحن يجب أن نحمي مذهبنا المالكي في المستقبل.
إن النقاش الديني في هذا الموضوع بطريقة متعصبة باسم الدين وبدون إيجاد حلول اجتماعية للمجتمع لا يفيد ويبعد الناس عن المؤسسات الإسلامية الرسمية وغيرها. مع الأسف أن بعض المؤسسات الإسلامية التي من المفروض أن تكون متجاوبة مع المجتمع تبنت آراء رجعية التي تتبناها تيارات متطرفة وهذا ما يجعل هذه المؤسسات معزولة عن المجتمع ولا تقدم إلى القاءات الدينية الروتينية المدفوعة الأجر وغياب أي خدمة للمجتمع، وتدخل في الريع الديني. فالإسلام صمد لمدة قرون لأنه دين متجدد وقابل للاجتهاد الضروري على القاعدة الأصولية ما لا يتم الجواب عليه فهو واجب.
كما أن الإمام الشافعي رضي الله عنه عندما سافر من العراق إلى مصر في عهده غير معظم الفتاوي لاختلاف البنية الاجتماعية والثقافية .
– أن عمر بن الخطاب ألغى العديد من الحدود والمعاملات لأسباب رأى أن عليها انتفت.
– أننا نسجل بارتياح كبير تفاعل المجلس العلمي الأعلى للفتوى من أجل تمكين المرأة من مهنة العدل كما نسجل بفخر التجاوب الملكي مع هذه المبادرة المتميزة لصالح النساء.
-أن المكتب الإقليمي للدول العربية لهيأة الأمم المتحدة أصدر دراسة تؤكد أن المغاربة يدعمون بنسب كبيرة عددا من التعديلات القانونية لإقرار المساواة.
أنه من النموذج التنموي الجديد هو تمكين المرأة من حقوقها الشرعية والدستورية وإدماجها في التنمية.
*أستاذ التعليم العالي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى