اصواتهن

محاكم التفتيش

لطيفة باقا

اكتشفت وجود ما يسمى “بالعذرية” بالصدفة في أحد أزقة مدينة وزان، كان عمري سبع سنوات وكان الجو حارا(الاكتشافات الكبرى تتم تحت الشمس)… كنّا أنا وبنت خالي رفقة بعض الأطفال نتعقب عربة “هدية” لأحد الأعراس الشعبية على صوت طبول ومزامير  الفرقة الموسيقية، يتقدم عربة الهدايا رجل يجرّ عجلا، وأمامه ترقص امرأة وتزغرد حاملة على  رأسها صينية فوقها قطعة قماش أبيض موضوعة على قالب سكر… القماش الأبيض لم يكن نظيفا… كان ملطخا بالدم. سمعت بنت خالي تقول: إنّه “صباح” العروسة. تأكد لي حينها أنّ ابنة خالي  “فايتاني” بليلة وبالعديد من الحيّل. عدنا ركضا لبيت جدي وكانت العائلة مجتمعة حول مائدة الشاي المسائية. وقفت أمامهم وأعلنت عن اكتشافي العظيم بصوت مرتفع: “راه شفنا الصباح ديال العروسة” انفجر الجميع بالضحك وقبل أن أفهم ما يحدث كانت أمي تجرّني إلى الخارج بسرعة من يبعد قنبلة موقوتة من وسط حشد من البشر.

“الصباح” لم يكن ظرف زمان بل كان ظرف عفّة وشرف، هو مصطلح بديل لكلمة “عذرية” و”بكارة” في إطار التمويه اللغوي الذي دأب الناس على اعتماده كلما تعلق الأمر بالجنس والممارسة الجنسية (كنّا نحن الصغار نسمّي الجنس مثلا الكلام اللي ما يصلاح أو باختصار  لكلام) تلك المرأة المزغردة إذن سعيدة لأنّها كانت تحمل فوق رأسها الدليل القاطع الذي سيخرس كلّ من تسول له نفسه المساس بسمعة ابنتها أو قريبتها… نفهم إذن أنّ النظام كان على الشكل التالي: كلّ الفتيات متّهمات بممارسة الجنس حتّى تثبت براءتهن. ليلة الدخلة هي ليلة امتحان التخرج ( وفي الامتحان يعزّ المرء أو يهان)… لم يكن الجميع طبعا، ينتظر ليلة الامتحان بل كان هناك من يستبق الأحداث بإجراء بعض الفحوصات الاحترازية… أتذكر صديقتي الصغيرة في الحيّ المجاور التي أخبرتني أنّ أمّها كانت تستقدم امرأة مرعبة  تفتح فخديها وفخدي اختها لتطمئن على الأوضاع ثمّ تغلقهما وتقدّم تقريرا مفصلا للأمّ… (الكثير من الأطبّاء يستمرّون إلى اليوم في تقديم هذه التقارير المشينة)…

إنّها محاكم التفتيش.

محاكم تتعقّب الساحرات والمتمرّدات والعاشقات والمستقلّات والمتحرّرات، محاكم تمنح نفسها حقّ التصرّف في الجسد الأنثوي، فالعذرية هي صكّ الغفران لكنّه أيضا ذلك الصكّ الذي نقذف به في سلّة القمامة في اللحظة نفسها التي ندرك فيها أنّنا نملك هذا الجسد نعيش ألمه وفرحه ونتحمل مسؤوليته وألاّ أحد له الحقّ في أن يطالبنا بشهادة حسن سيرة وسلوك بناء على قطرة دم مخبّأة بإمعان داخل أقصى منطقة في حميميتنا…

هل انتهينا يا ترى مع محاكم التفتيش؟

كنا نعتقد ذلك حتّى تحدثت إحدى الصحافيات التي يفترض أنّها من ضمن ضحايا التحرّش في قضية الصحفي “بوعشرين” والتي كان يفترض فينا أن نصطفّ بجانبها إذا أثبت القضاء صحّة ما تدّعيه… تحدثت لتجعلنا نكتشف أنّنا للأسف لم ننته بعد مع مطاردة الساحرات، بل أكثر من ذلك لقد تمّ استبطان المحاكم وأصبحت المطاردة ذاتية وعن طيب خاطر، كيف لامرأة لها الشجاعة لفضح مغتصبها (ونحن نعرف صعوبة الخروج من وضع السكوت والتستر إلى وضع الصراخ والإدانة بالنسبة لضحايا الاغتصاب والتحرّش)… وليست لها شجاعة امتلاك جسدها، كيف لامرأة استطاعت أن تحطم جدار الصمت ولم تستطع بعد تحطيم الشرنقة الذكورية التي تحيط بكيانها كإنسان؟  هذه المرأة  الصحفية تقول “قلبوني… أنا عذراء” تقدّم جسدها لمحاكم التفتيش وتطلب منهم أن يبحثوا فيه عن دليل براءتها. حتّى صديقتي الصغيرة التي كانوا يفتحون فخديها لم تكن تفعل ذلك برغبة منها، كانت تصرخ وتبكي… وتخرج للحيّ وتفضحهم.

عبارة “قلبوني” التي جاءت بصيغة تحدٍّ، لم تكن تحدّيا ولا يمكنها أن تكون كذلك، تماما كما لا يمكن لامرأة منقبة أن تدعي أنّها تمارس “حريتها” في الاختفاء خلف اللون الأسود. هي قاعدة رياضية: لا يتحقق الأمر من خارج سياقه، الحرية لا تتحقق داخل العبودية و إدانة الاغتصاب لا تتحقق من داخل المنظومة التي تشرعنه وتكرّسه… المرأة الحرّة هي تلك التي تملك جسدا حرّا، هي التي تعيد للشرف معناه وللجنس معناه وللعار معناه ثمّ تفتح نوافذها واسعة في وجه الصباح الذي يستعيد معها ضوءه… وحرارته.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى