اصواتهن

آسفة يا لطيفة..

نادية أبرام 

في زاكورة تلك المدينة الجنوبية التي زرتها في يوم من الأيام وأحببتها وأحببت ناسها الطيبين البسطاء، حرقت لطيفة وشوه جسدها النحيف وحطمت أحلامها وبراءتها وكرامتها وإنسانيتها بسبب سادية مشغلتها .. أمام هول ما أصابك يا لطيفة، تخونني الكلمات.. لقد أيقظت فينا المواجع من جديد على حال مساعدات البيوت الصغيرات.. فأنت نموذج صارخ يضعنا أمام أسئلة كثيرة وعميقة بل أمام مسؤولياتنا .

لطيفة ساقها قدرها إلى بيت تنعدم فيه الرأفة والرحمة ، تنعدم فيه أسبط الحقوق الإنسانية التي نتغنى بها صباح مساء بينما هي وأمثالها محرومات منها ولا يعرفن حتى أنها موجودة .. لطيفة عاشت ظروفا لم تعشها حتى فتيات أيام العبودية والسبي ولم يصل وضعهن إلى هذا الحد المؤلم.. لطيفة جارعليها الزمن ومشغلتها التي سيقت إليها كما تساق الدابة إلى السوق وبعدها إلى المسلخ، لتجد نفسها محاصرة بين مخالب وحش آدمي بلا رحمة ولا شفقة اغتصب شبابها وحياتها ..

عندما سمعت بالخبر، لم أستوعب بشاعة ما حدث للطيفة، حروق في كل جسدها لم تسلم منها حتى المناطق الحساسة فيه، وندوب لن يستطيع الزمن محوها..  فكيف لنا جميعا كمواطنين ومسؤولين وصحافيين وحقوقيين ومنظرين ومثقفين وبرلمانيين ونقابيين … أن نفرح بالمشاريع وبالبنيان وبالطرق وبالتقدم وبالازدهار وبتطور مؤسساتنا الحقوقية ونحن نعيش حالات اعتداء وحشي بهذا الحجم خاصة على مساعدات البيوت؟ ..  كيف يطالب البرلمان بالزيادات والعلاوات ونفخ تقاعد أعضائه، ممثلي الأمة، وهو غير قادر على كبح جماح هذا العنف المستشري في مجتمعنا بشتى أنواعه، غير قادر على سن قوانين صارمة؟ ..كيف نتحدث عن مجتمع مسالم، بينما لم يحرك أحد ساكنا من عائلة المشغلة الوحش وجيرانها، وأقربائها، أو حتى المارة، والفضوليين وغيرهم، ولم يبلغوا عنها؟ .. كيف سنعالج هذه الآفة ونحن مازلنا نترك الآباء يتاجرون بعرق بناتهم دون رحمة أو وازع أخلاقي وديني؟ ، كيف سنربي الأجيال على احترام حقوق الإنسان ونحن مازلنا نعيش فصولا غير إنسانية؟ .. إنها أسئلة جديدة قديمة تظهر كلما طفح الكيل ..

لطيفة لم تجد سوى جمعية “إنصاف ” التي يعلم الله كيف وصلت إليها، لتنقذ ما يمكن إنقاذه من ذكرى إنسان، وعلى الجمعية أن تسلك طريقا طويلا من الإجراءات القانونية لإثبات حصول العنف، بينما من الممكن جدا أن تأخذ المشغلة الوحش وقتها وتستشير للبحث عن طرق للخروج من القضية كما تخرج الشعرة من العجين. فزوجة قاضي وجدة حاولت قبلها واتهمت خادمتها بمحاولة رمي رضيعها من النافذة .. فأين هو قانون مساعدات البيوت؟ والأهم أين هو الضمير ؟؟؟ ..

آسفة لطيفة، لأنني لم أستطع فعل شيء من أجلك، واشعر بالخجل مما لحق بك..  عشت ليلة مرعبة وكابوسا حقيقيا عندما شاهدت جسدك المحروق المنهك وأنت تصارعين من أجل الحياة، وأي حياة ؟؟؟ ، لم أستطع استيعاب أنك عشت مأساتك في صمت على امتداد سنة، دون أن يكون لولي أمرك دور لوقفها ووقف مشغلتك الوحش عند حدها ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى