اخبار بسمة

السفيرة نزهة العلوي المحمدي.. صوت المغرب في إفريقيا

بقلم: مصطفى الزاكي

حين تمسك امرأة من مثيل السفيرة نزهة العلوي المحمدي بمفاتيح الديبلوماسية، تشتعل في رأسها قناديل الأمل.. تركب نظراتها الإلتباس، تعشق تعدد وتباين الألوان.. تنتمي إلى البياض بتطرف، وإلى السواد بتشدد زائد.. تصبح رخوة  قطعة قطن.. وعنيدة كقطعة من الصلصال.. ثم تستحيل إلى المرأة التي تنتمي إلى كل من تعرفواعليها من قبل.. وإلى المرأة التي لم يسبق لأحد أن صادفها أو شاهدها أو تعرف عليها من قبل..

باب الدخول إلى الديبلوماسية

وقليل هن النساء اللواتي، دخلن الديبلوماسية فأصبحت لباسا لهن، وانتماء لهن وغرق فيهن.. إلى ذلك الحد الذي يصعب فيه فك تلك الخلطة الفيزيقية غير محددة الجنس، التي تَلمُّ بين المرأة والديبلوماسية.. حتى أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت، قالت عن نفسها، إنها دخلت الديبلوماسية منذ فترة شبابها، وأن كل محاولاتها الجادة للهروب منها باءت بالفشل.. الآن، توجد أولبر ايت على مرمى من خريف العمر، لكن حديثها وهندامها، ما زالا غارقين في كياسة الديبلوماسية..

فالدخول من باب الديبلوماسية، ينسي أبدا باب الخروج منها.. يعدم مفاتيحها ويرمي بها في لجة العتمة، تضع عيناها كقناديل في يدها، تجذبها غواية السير أماما وصعودا، ثم لا تفكر في التوقف أو العودة..
إنها حالة من انتماء المرأة إلى الديبلوماسية، ضرب من التشدد، الذي لا يكتفي بالمجاورة، أو لحم العلاقة، أو الإرتباط بالإسم والمهنة والعمل، وحب الترافع عن مصلحة الوطن.. واحتكار حبه، والتأفف به، ومواجهة المس به.. والغرق فيه حد المتاهة، وخلط الأحاسيس ورفس المشاعر، والشفاعة إلى كل من يغوى حمايته والدود عنه..

حروب الدفاع عن الحب

والمرأة، أفضل من يجيد حروب الدفاع عن الحب، وأكثر من يستطيع تجريب واستعمال كل أنواع السلاح.. وتحديد أوقات التربص، وحفر المخابئ وبناء السواتر، والتمكن من مباغثة العدو، وتحديد كيفية الهجوم.. وكل النساء الديبلوماسيات، اختبروا أنواع الحروب، وفي دزينة كل منهن لائحة من الحروب، فكن مهاجمات يربطن أقدامهن ببعضهن، ويحاربن في المواقع الأولى، دون نية في التراجع أو الهروب..

إنها حالة، لا تعكسها إلا نفسية المرأة التي تحلم باحتكار حب الوطن، والعمل من أجله، رغم أنها بنص الانتماء إلى جنسها كامرأة، تتصرف بكونها سكن للوطن، وحارسا مثاليا لحبه والارتباط به..
ولم يكن يظن أحد، أن  أكثر النساء اللواتي انتمين إلى السياسة أو الديبلوماسية، كن بقامات عالية، واشتغلن بتفان، كما لو أنهن  يدرن مشاغل بيوتهن، يشتغلن على قاعدة إن كيد النساء لا معنى ولا مغزى له إن لم يصرف ضد أعداء الوطن، وحمايته، والتعامل معه بمعروف، أو التعاطي معه بإحسان..
ولأن المرأة المغربية، أغلقوا عليها منذ زمن مواقع المسؤولية، ومنعوا عنها الكلام عاليا، وسمحوا لها بالحديث بنصف اللسان، والإختباء وراء أكمة الإحتشام، والنظر إلى مناحي الحياة ببرود والتقيد بلائحة طويلة من المتاعب والعهود.. فإن بعضهن ألقين مبكرا شباك المغامرة، وسلكن مسلك التحدي والتصدي والمكابرة، إلى أن وصلن إلى أعلى المراتب، فاشتغلن في الديبلوماسية، وعاركن في حقول السياسة، وسبرن تدبير قطاعات الاقتصاد…

اليوم كلغم وغدا كجمر

 والديبلوماسية، على خلاف ما هو شائع، ليس حقلا لزرع الألغام، ولا الوقوف في مفترق الطرقات ورَص الحواجز والجدران، أو إحالة الأفكار والمواقف إلى متحجرات وأصنام.. إنها أيضا بحثا دائما عن أجوبة شافية لمشاكل وأزمات،  القابض عليها، كما لو أنه يمسك بنار حامية.. ولنا أن نعاين غابة الأزمات الديبلوماسية، الماضية أو التي ما زالت ترجح بالحياة والعافية.. حتى أن المشتغل بها مفقود أو مداريا بين حل معهود، أو يعيد إنتاج أجوبة للتعامل مع واقع ساري وممدود..
وفي الديبلوماسية المغربية، ثمة نساء، خبرن العيش في الأدغال، ومارسن معارك ضارية على كل طاولات الصراع وأدمن العراك وجولات الحوار، وفن المفاوضات بجرأة يحسدن عليها.. لكن كثير منهن مارسن حياة التواري عن الأنظار، والإختباء وراء الظلال، والإنزواء بستائر التقية، والعيش في العتمة والإختفاء وراء نظارات الاختباء والحشمة.. لكن الديبلوماسية، أقرب إلى حياة البراكين النائمة.. تختفي دهرا، ثم تنفجر وترتفع أدخنتها في السماء، وتتطاير شهابها وجمارها وحرارتها، عاليا وبعيدا.. إلى أن ترى للراءي نارا موقدة، مستعرة، يصعب تلافيها، وغض الطرف عنها، أو تناسيها..

كقارب يمخر عباب البحر

ومن يعرف قليلا السفيرة المغربية نزهة العلوي المحمدي، ولو عن طريق التعاطي مع أكلاف ومتابعة مشاغلها الديبلوماسية، يرى أنها عملت سنوات عديدة في وزارة الخارجة، على إيقاع سفينة تمخر عباب البحر، وسط عتمة لا يرى منها إلا أضواء بعيدة وخافتة،  يصعب تبينها، ومشاهدتها والإعْلامُ بها إلى حراس المنارات.. لكن نزهة العلوي المحمدي، وبجملة واحدة، امرأة لم تختر الديبلوماسية استجابة لتلبية غريزة الاختباء، ولا لصوم غريزة العلاقات، واختصار قاموس الكلام، والتفكير بأسرع من الكلام، والسير بمحاذاة الجدران، والنوم في أسرة الاستثناء، والغوص في مزالق العلاقات وهوياَّت المواقف ومطبات الأفكار، والتصريحات التي تنطق بعكس معناها ومغزاها، وتحيل البياض إلى عتمة وسواد والأنوار إلى مقدمة لسيادة الظلام، والهزيمة إلى فوز وانتصار.. هذه أمور من نواميس مهنة الديبلوماسية، تلقن في المعاهد والمدارس، أو تقرأ في سير  أفذاذ وعرابي الديبلوماسية.. لكن السيدة نزهة العلوي المحمدي، تجد في نفسيها، ما يدفعها مليا لركوب عربة هذا الاختيار، والسير فيه حتى الامتزاج والإلتحام..  فسارت من الدراسة إلى اختيار الديبلوماسية والغوص فيها، وتدبير قسم آسيا وإفريقيا بوزارة الخارجية، ومن تم باهتمامها الكبير ومتابعتها لملف العلاقات المغربية الأو روبية، إلى أن تم تعيينها سفيرة في غينيا، ثم سفيرة حالية في أثيوبيا… مشوار طويل، مبهر وشاق.. ممعن في مراكمة التجارب والخبرات، والمصاعب والعقبات.. لكن رغم ذلك لم تكن في مطلق ظهورها وشهرتها كما هي الآن.. إلى درجة أن صحيفة لموند الفرنسية، كتبت عنها، كانت المرأة الوحيدة بين  أعضاء الفريق المبهر، الذي أشرف الملك على اختياره للإعداد للزيارة التي قام بها إلى أثيوبيا، بهدف عودة المغرب إلى أحضان الاتحاد الإفريقي..

الفريق المبهر للملك

كانت نزهة العلوي المحمدي، من بين أربعة رجال، أشرفوا على رص الطريق لزيارة الملك إلى أثيوبيا، وشكلوا فريقا قويا خاضوا به  العديد من جولات اللقاءات والحوارات والاستمالة لرؤساء الوفود الإفريقية، لإقناعهم بأهمية وجدوى عودة المغرب إلى الإتحاد الافريقي.. كما هيئوا العديد من لقاءات الملك مع الرؤساء الإفارقة.. وخاضوا صراعات مع وفود الدول المعارضة لعودة المغرب للإتحاد الإفريقي بعد 33 عاما من الغياب، ومثلت نزهة العلوي المحمدي دور مهاجم الوفد المغربي في أديس أبابا، التي أدت دورها بعناد لافت في كل أطوار الصراع..

زواج الديبلوماسية والكتابة

ورغم أن نزهة العلوي، البالغة من العمر 49، زاوجت منذ  تعيينها في سنة 2016 ، سفيرة في أديس أبابا،  ولدى الاتحاد الافريقي، وقضت سنوات طويلة بالعاصمة الغانية أكرا وبنين والطوغو،  وذات الإلمام الكبير بالشؤون الإفريقية، ومساهمة قوية في الدبلوماسية المغربية في إفريقيا، فإنها أبانت عن كفاءة في التوفيق بين المهمتين.. امرأة مهاجمة، تلعب على حبلين وبدراية لاعب مهاجم ومتمرس..ِ
وهي مهمة، ورثت جذورها الأولى من وسط عائلي مثقف، ودرست بالرباط، بثانوية ديكارت الفرنسية، انتقلت للمدرسة الوطنية للإدارة سنة 1988، ونالت درجة الدكتوراه  في العلاقات الدولية من جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تلتحق بالعمل الديبلوماسي بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون  على عهد الوزير عبد اللطيف الفيلالي، وتحديدا بخلية الاتحاد الأوروبي، الذي كان مستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري رئيسا لها آنذاك.
وقد تمت ترقيتها إلى مستشارة في الشؤون الاقتصادية بسفارة المغرب بروما، وكانت تشرف على قضايا التعاون بين المغرب ومنظمة الزراعة “الفاو” وبرنامج الأغذية العالمي،  وانتقلت إلى بروكسيل، لتقوم بنفس المهمة، ثم عادت  إلى وزارة الخارجية سنة 2004، مكلفة بقسم الشؤون الأوروبية، ثم رئيسة لقسم الشؤون الإفريقية سنة 2009، قبل أن تنضم للفريق الملكي سنة 2013، الملكف بتنفيذ سياسة المغرب الإفريقية التي ظل غائبا عنها منذ سنوات، ثم تعيينها سفيرة للمغرب في غانا وبنين والطوغو، وهناك تمكنت من نسج علاقات إفريقية واسعة، مكنتها من مواكبة التحديات التي تواجهها القارة الإفريقية، على المستوى السياسي والإقتصادي… وهي المكانة التي هيأتها لتقلد منصب سفيرة في أثيوبيا وجيبوتي ، ثم سفيرة في الاتحاد الإفريقي  في أكتوبر من سنة 2016..
لكن نزهة العلوي المحمدي الذي يشهد لها بالشخصية الكتومة، لا تعدم تصريف فائض كفائتها في الكتابة والبحث العلمي، على قاعدة استكمال الممارسة الديبلوماسية بالبحث العلمي الأكاديمي، مجسدة ذلك  في الكتابة حول العلاقات المغربية الإفريقية، والبحث في علاقات دول المحيط الأطلسي الإفريقي، إضافة إلى تعاونها الأكاديمي مع مراكز بحوث مغربية وفرنسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى