انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
نساء ملهمات

فرانسواز جيلو.. المرأة التي تمردت على ظل بيكاسو

ليست كل النساء اللواتي يعشن إلى جانب رجال مشهورين مجرد ظلال في حياتهم، وليست كل الحكايات التي تبدأ بالحب تنتهي بالاستسلام. هناك نساء يكتشفن، في لحظة حاسمة، أن الحفاظ على الذات قد يكون أصعب من الرحيل، وأن امتلاك الشجاعة لمغادرة علاقة طاغية هو بداية استعادة الحياة.

من بين هذه الشخصيات، تبرز فرانسواز جيلو، الفنانة الفرنسية التي ارتبط اسمها ببابلو بيكاسو، أحد أشهر فناني القرن العشرين، لكنها رفضت أن تختصر حياتها في كونها المرأة التي أحبها أو عاشت إلى جانبه.

كان بيكاسو فنانا استثنائيا، صاحب عبقرية تشكيلية جعلت اسمه يتجاوز حدود الفن. غير أن الشهرة الكبيرة لا تمنح صاحبها بالضرورة القدرة على بناء علاقة متوازنة. ففي علاقاته النسائية، كما تروي شهادات وكتابات عدد من النساء اللواتي ارتبطن به، حضرت الرغبة في السيطرة، والتعامل مع المرأة باعتبارها امتدادا لعالمه الخاص، لا ذاتا مستقلة لها أحلامها ومشاريعها.

كان من الصعب، في عالم يضع الفنان العبقري فوق النقد، أن تتصور امرأة أن بإمكانها مغادرة بيكاسو، أو أن تستعيد حياتها بعيدا عنه. فكيف يمكن لمن اعتاد أن يكون مركز الاهتمام أن يتقبل فكرة أن امرأة أحبته قررت ألا تبقى في مداره؟

لكن فرانسواز جيلو لم تكن مستعدة للتنازل عن نفسها.

التقت بيكاسو في باريس سنة 1943، وكانت آنذاك فنانة شابة في بداية مسارها، بينما كان هو قد أصبح اسما عالميا. استمرت علاقتهما نحو عشر سنوات، وأنجبا طفلين، كلود وبالوما. عاشت إلى جانبه في عالم تتداخل فيه الشهرة والفن والحياة الخاصة، لكنها كانت تدرك أن لها طريقا آخر، وأن موهبتها لا ينبغي أن تذوب في شهرة الرجل الذي ارتبطت به.

لم يكن التحدي في أن تكون امرأة بيكاسو، بل في أن تظل فرانسواز جيلو.

كان يقلل، بحسب روايتها، من قيمة أعمالها، ويحاول أن يجعل حضوره مركز حياتها. ومع مرور الوقت، أدركت أن الاستمرار في تلك العلاقة قد يعني أن تتراجع مساحة الفنانة داخلها، وأن تتحول حياتها إلى هامش في سيرة رجل مشهور.

وفي سنة 1953، اتخذت قرار الرحيل.

غادرت بيكاسو، وأخذت طفليها، واختارت أن تبدأ من جديد. لم يكن قرارا سهلا، خصوصا في ظل شهرة الرجل ونفوذه، لكنه كان تعبيرا عن إرادة امرأة رفضت أن تجعل الحب مبررا للتخلي عن استقلالها.

لم تتوقف عن الرسم، ولم تتخل عن طموحها الفني. واصلت بناء تجربتها الخاصة، وأثبتت أن الأمومة لا تعني نهاية الإبداع، وأن الارتباط برجل مشهور لا يلغي حق المرأة في أن تكون مشهورة بعملها أيضا.

وفي سنة 1964، نشرت كتابها «الحياة مع بيكاسو»، الذي كشفت فيه جوانب من تجربتها معه. أثار الكتاب غضب الفنان، وارتبطت محاولات منع نشره بمعارك قانونية انتهت بانتصارها في مواجهة تلك المحاولات.

كانت تلك محطة أخرى في مسار امرأة لم تقبل أن يحتكر رجل واحد رواية حياتها.

واصلت فرانسواز جيلو مسيرتها الفنية، وانتقلت إلى الولايات المتحدة، وتزوجت سنة 1970 الطبيب والباحث جوناس سالك، الذي ارتبط اسمه بتطوير لقاح شلل الأطفال. وظلت فنانة مستقلة، لها أعمالها ومعارضها ومكانتها الخاصة.

عاشت حتى بلغت 101 عام، ورحلت سنة 2023، بعد حياة لم تختصرها علاقتها ببيكاسو، وإن ظلت تلك العلاقة جزءا من سيرتها.

ما يجعل فرانسواز جيلو امرأة ملهمة ليس أنها غادرت فنانا شهيرا، بل أنها رفضت أن تكون شهرة الرجل أكبر من حقها في الحياة.

إنها قصة عن شخصية قوية أدركت أن التمرد لا يعني دائما مواجهة العالم، بل قد يبدأ برفض أن يحدد شخص آخر حدود وجودنا.

ولعل ما يجعل هذه الحكاية قريبة من نساء كثيرات، هو أن بيكاسو ليس بالضرورة الرجل الذي يقف في طريقهن. فقد يكون الظل مؤسسة لا تعترف بموهبتهن، أو علاقة تستنزف أحلامهن، أو بيئة تطلب منهن أن يتنازلن عن طموحاتهن لصالح الآخرين.

في كل هذه الحالات، يصبح السؤال واحدا: هل تستطيع المرأة أن تحب دون أن تفقد نفسها؟ وأن تكون أما وشريكة ومبدعة، دون أن تتخلى عن حقها في اختيار حياتها؟

تقدم فرانسواز جيلو جوابا من خلال تجربتها، لا من خلال الشعارات. فقد اختارت أن ترحل حين شعرت أن استمرار العلاقة يهدد استقلالها، ثم واصلت العمل، والرسم، وبناء حياة خاصة بها.

لم تنتظر أن يمنحها أحد الإذن بالنجاح، ولم تجعل شهرة بيكاسو شرطا للاعتراف بموهبتها.

لقد غادرت الرجل الذي أراد أن يبقى مركز عالمها، لكنها لم تغادر فنها، ولا ذاتها.

وهكذا، لم تكن فرانسواز جيلو مجرد امرأة في حياة بيكاسو، بل فنانة كتبت فصلها الخاص، وأثبتت أن أعظم ما يمكن أن تستعيده المرأة حين تختار نفسها هو حقها في أن تكون صاحبة حياتها.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا