انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

التصوف النسائي ومدارج الذوق الراقي

بقلم: د. محمد غاني

للذوق في لغتنا مجريان: مجرى ينزل على اللسان فيميّز الحلو من المرّ، ومجرى يصعد إلى القلب فيميّز الحقّ من الباطل والجميل من القبيح. وقد جمعت العربية المعنيين في لفظ واحد، فصار الذوق مصطلحًا عند أهل الطريق ومقولةً جمالية عند أهل الأدب والصناعة. وليس هذا الاشتراك مصادفة لغوية، بل كشف عن وحدة عميقة في الوجدان الإسلامي: فالذوق الجمالي الراقي في الثوب والبيت والصوت والكلمة والمائدة ليس إلا الوجه الظاهر لذوق باطن هو معرفة الله بالمباشرة. ولعل أخصب مختبر لهذه الوحدة ما أنتجته الصوفيات، أولئك النساء اللواتي حققن المعنى ذوقًا فأخرجنه صنعةً وجمالًا.

والذوق عند القوم ليس ترفًا لغويًا. فالقشيري يجعله أول مراتب الشهود، يتلوه الشرب ثم الريّ، والغزالي يقرر أن ما يخص أهل الطريق لا يُنال بالسماع والتعلم بل بالذوق والحال. فهو معرفة حضورية لا تقبل النيابة، غير أنها قابلة للتربية والتزكية، وما دامت كذلك فهي قابلة للسياسة التعليمية والثقافية. وفي التقليد الجمالي الحديث يعرّف كانط الحكم الذوقي بأنه حكم خالٍ من الغرض لا يطلب من الجميل منفعة، وهو يكاد يكون ترجمة نثرية لمناجاة رابعة العدوية التي قطعت الصلة بين العبادة والمنفعة، وجعلت حبها حبين: حب الهوى، وحبًا لأن المحبوب أهل لذلك. وإذا استحضرنا الحديث الشريف «إن الله جميل يحب الجمال» أدركنا أن ترقية الذوق ضرب من التخلق بأخلاق الله، لا تحسين كمالي.

فلماذا كانت المرأة مختبرًا لهذا الذوق؟ ثمة أسباب ثلاثة. أولها لساني رمزي، فكثير من معاني اللسان العرفاني مؤنث: الذات والنفس والحكمة والرحمة والسكينة والمحبة. وثانيها معرفي، فالتصوف علم أحوال لا أقوال، يقاس بالحال والأدب لا بشروط الحضور المؤسسي. وثالثها تاريخي اجتماعي، فقد انصرفت طاقة المرأة الإبداعية إلى ميادين بقيت مفتوحة: التربية بالصحبة والإنشاد والشعر والوقف والصناعة الجميلة. ولسنا نزكي ما لحقها من إبعاد، لكننا نسجل أثره المفارق: تخصصًا جماليًا مركزًا. ولم تُقصَ عن الرواية والإجازة، فكتب التراجم حافلة بالشيخات المجيزات.

والشواهد كثيرة. فرابعة العدوية نقلت الخطاب الصوفي من الخوف والرجاء إلى المحبة الخالصة، ففتحت بابًا دخل منه الشعر الصوفي العربي. وألّف السلمي أول معجم مستقل في تراجم الصوفيات، ضمّ نحو ثمانين امرأة، وبقي الكتاب مفقودًا قرونًا قبل أن يُحقق ويُترجم، وفي ذلك درس بليغ: الأرشيف النسائي موجود لكنه ينتظر من يُخرجه. وتتلمذ ابن عربي لفاطمة بنت المثنى القرطبية وشمس أم الفقراء، فكان أعظم فيلسوف عرفاني في الإسلام تلميذًا لامرأتين عالمتين ذوقًا. وشرحت ست العجم البغدادية تائية ابن الفارض، فنقضت الزعم بأن حظ النساء من التصوف كان الحال دون المقال. أما عائشة الباعونية الدمشقية، المتوفاة سنة 923هـ، فهي الذروة التأليفية: من أغزر النساء تأليفًا قبل العصر الحديث، نظمت بديعية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم التزمت في كل بيت منها نوعًا بديعيًا، وصنفت في مقامات الطريق، وتركت ديوانًا شعريًا. فأخضعت أعقد صناعة بلاغية لخدمة المحبة، وأثبتت أن الذوق الصوفي لا ينتج زهدًا في الجمال بل إتقانًا فيه.

وامتد هذا الأثر إلى آفاق أخرى. ففي الهند كتبت الأميرة جهان آرا بيغم، السالكة في الطريقة القادرية، في سيرة المشايخ، ووظفت مكانتها في العمارة والوقف والتأليف. وفي إفريقيا أسست نانا أسماء بنت الشيخ عثمان بن فودي شبكة «يان تارو»، وهي نظام تعليمي نسائي متنقل تجوب فيه المعلمات القرى لتعليم النساء، فحوّلت التصوف من حال فردي إلى هندسة تربوية اجتماعية. وفي المغرب الكبير تحفظ مجموعات الحضرة النسائية في شفشاون وفاس وتطوان وسلا أرشيفًا صوتيًا حيًا من المديح والسماع. ومن المفارقات الموجعة أن يُقرأ هذا التراث بالألمانية والإنجليزية قبل أن يُقرأ بالعربية.

وفي هذه النماذج جميعًا يتبدى معنى واحد: أن الذوق الصوفي لم يكن عند هؤلاء النسوة انسحابًا من العالم، بل كان طريقًا إلى إحسانه. فرابعة حين رفعت المحبة فوق الطمع والخوف أعادت ترتيب علاقة الإنسان بالجمال، والباعونية حين وضعت البديع في خدمة المدح النبوي أعادت ترتيب علاقة الصنعة بالمعنى، ونانا أسماء حين خرجت بالعلم إلى القرى أعادت ترتيب علاقة المعرفة بالمجتمع. وهكذا يتبين أن الذوق ليس شعورًا عابرًا ولا مزاجًا فرديًا، بل هو خلق يُربّى بالصحبة والمجاهدة، وينعكس في الكلمة المتقنة والصوت الندي والعمل المحكم ومعاملة الناس بالرفق والحياء. وهو ما جعل الصوفيات أقرب إلى معلمات للجمال منهن إلى ناسكات معتزلات، يعلّمن بحالهن قبل مقالهن.

ويواجه الذوق العام اليوم ضغطًا مضاعفًا: غلبة جماليات الإثارة والسرعة على جماليات التأمل والإتقان، وتسليع المقدس، وتنميط الأذواق بخوارزميات تكافئ الصادم وتقيس القيمة بزمن المشاهدة لا بعمق الأثر. وفي المقابل يتآكل تراث لامادي ضخم بموت حملته دون توثيق. وقد جاءت اتفاقية اليونسكو لصون التراث غير المادي، غير أن الإدراج تسجيل لا استثمار. وقد بدأ الاهتمام بهذا الموضوع ينتقل من هامش الفولكلور إلى صلب النقاش الحضاري، وهو انتقال يستحق أن يتواصل بروح علمية جامعة، لا تنحاز إلى جهة دون أخرى، لأن هذا التراث ملك مشترك للأمة كلها.

لسنا نطلب من التراث أن يعيدنا إلى الوراء، وإنما أن يعطينا معيارًا تلخصه الصوفيات في ثلاث: أن الجميل لا يُطلب لمنفعته، وأن الإتقان عبادة، وأن الذوق يُربّى ولا يُشترى. فإن أدخلنا هذا المعيار إلى مدارسنا وبيوتنا ومعاملنا وشاشاتنا استثمرنا أثمن ما نملك، وإلا ظللنا نحرس خزانة مقفلة على كنوز يقرؤها الآخرون بلغاتهم. فالتراث الذي أنتجته الصوفيات ليس ذكرى نحنّ إليها، بل ميزان نقيس به أذواقنا، ونسائل به ما نستهلكه من صور وأصوات وكلمات في زمن تتزاحم فيه السرعة والإثارة على حساب الإتقان والعمق. والله جميل يحب الجمال.

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا