تقاضت راتبها 20 عاماً دون أن تعمل… فلماذا قاضت شركتها؟
بسمة نسائية/ أصواتهن
موظفة تتقاضى راتبها، لكن شركتها لا تمنحها عملاً فعلياً لسنوات طويلة!
إنها قصة الفرنسية “لورانس فان واسنهوف”..
واحدة من تلك الحكايات التي تضعنا أمام معنى آخر للعمل، أبعد بكثير من الراتب الذي يصل في نهاية الشهر.
وُلدت لورانس وهي تعاني من شلل نصفي، إضافة إلى الصرع. ومع ذلك، لم تجعل إعاقتها ذريعة للانسحاب من الحياة. درست، ثم التحقت بـ**France Télécom** سنة 1993، وعملت في وظائف جرى تكييفها بما يتناسب مع وضعها الصحي.
كانت تريد، ببساطة، أن تعمل.
أن يكون لها مكتب، ومهام، ومسؤوليات، وأن تشعر بأنها جزء من المؤسسة التي تنتمي إليها.
لكن شيئاً ما تغيّر.
ومع مرور السنوات، وجدت نفسها عملياً خارج الحياة المهنية.
راتبها مستمر، لأزيد من 20 سنة، لكن العمل غائب. لا مهام حقيقية، ولا اندماج فعلي، ولا ذلك الشعور البسيط الذي يمنحه الإنسان لنفسه حين يقول: “أنا أعمل، أنا مفيدة، أنا جزء من هذا المكان.”
فرفعت دعوى ضد الشركة.
وهنا تكمن المفارقة التي قد لا يلتقطها العنوان المتداول للقصة.
لورانس لم تكن غاضبة لأنها تتقاضى راتباً من دون عمل؛ كانت غاضبة “لأنها تريد العمل ولا يُسمح لها به.
وكأن الرسالة التي وُجهت إليها كانت:
“بقاي فدارك، وشهريتك غادي توصلك كاملة مكمولة”.
وهذا فرق هائل.
فالراتب، بالنسبة إلى هذه السيدة، لم يكن امتيازاً.
بل اعتبرته غطاءً أنيقاً للإقصاء.
أن تقول لشخص: “خذ أجرك، واجلس بعيداً عنا”، لا يعني بالضرورة أنك أنصفته. ربما تكون قد سلبته شيئاً لا يُقاس بالمال: الإحساس بالجدوى، والانتماء، والاستقلال، والاعتراف بقدراته.
وهنا، شاءت المفارقة أم أبت، تقودنا قصة لورانس إلى الحديث عن “الموظف الشبح” الذي نعرفه في مجتمعاتنا.
في المغرب، كما في بلدان أخرى، ارتبط تعبير “الموظفين الأشباح” بأشخاص يتقاضون أجوراً من المال العام من دون أداء فعلي للعمل. وفي بعض الحالات، كانت مؤسسات عمومية هي التي دفعت بموظفين إلى الهامش، فصار وجودهم الوظيفي قائماً على الراتب أكثر مما هو قائم على العمل.
وفي المقابل، هناك “موظفون أشباح” محظوظون، حصلوا على وظائف بالواسطة ومن دون استحقاق، واستفادوا من امتيازات الوظيفة من دون أن يؤدوا واجباتها، مستفيدين من غياب الرقابة أو ضعفها.
للأسف ليس هناك رقم رسمي ومحدد لكل “الموظفين الأشباح” في عموم الإدارات المغربية، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود أعداد كبيرة قد تصل أحياناً إلى نحو 100 ألف موظف في القطاع العام، بينما تؤكد البيانات الرسمية السابقة عزل آلاف الحالات المتخلفة عن العمل في الجماعات والإدارات المحلية.
ولعل الكل يتذكر الفضيحة التي كشفت عنها العمدة السابقة لمجلس مدينة الرباط، أسماء اغلالو، عن وجود نحو 2400 موظف شبح من أصل 3400 بمجلس المدينة وحده..
لكن بين الحالتين مسافة أخلاقية شاسعة.
هناك من يختار أن يكون شبحاً، وهناك من تُحوّله المؤسسة إلى شبح.
الأول يستفيد من غياب الرقابة.
أما الثانية، فتدفع ثمن سوء التدبير وغياب الإدماج.
الأول يريد الراتب من دون العمل.
أما لورانس، فكانت تريد العمل، ولم يكن الراتب وحده كافياً لتعويضها عنه.
وهنا تصبح قصتها، بالنسبة إلينا، أكثر من مجرد واقعة قضائية فرنسية.
لأن الإنسان لا يريد أن يتقاضى راتباً فقط، بل يريد أن يشعر أنه يستحقه؛ أن وجوده له معنى، وأنه يقدم شيئاً، ويشارك، وينتج، ويترك أثراً.
وربما لهذا السبب تبدو قصة لورانس مؤلمة أكثر مما تبدو طريفة.
فالعمل ليس فقط وسيلة لكسب العيش.
العمل أيضاً هو أن نرى أنفسنا في مرآة المجتمع ونقول:
أنا أستطيع.
أنا أشارك.
أنا منتجة.
أنا لست عبئاً على أحد.
وهذه، ربما، هي الرسالة الأجمل التي تحملها لورانس إلينا من بعيد:
قد يكون لدينا “موظف شبح” يتمنى ألا يراه أحد.
لكن لورانس كانت شيئاً آخر تماماً:
امرأة لم تكن تريد راتباً فقط… كانت تريد راتباً شهرياً تستحقه.
وكانت، قبل ذلك كله، تريد أن تعمل…
وتريد أن تُرى.
